اميركا وأحتمالات المواجهة القريبة مع أيران،تحليل ستراتيجي

اميركا وأحتمالات المواجهة القريبة مع أيران،تحليل ستراتيجي

منقذ داغر
شهدت نهاية عام ٢٠١٩ وبداية عام٢٠٢٠ تصاعدا شديدا في المواجهة الايرانية الأميركية على أرض العراق تمثلت في أقتحام السفارة الأميركية في العراق والرد الأميركي بأغتيال المهندس وسليماني. ولازالت الهزات الارتدادية لذلك الزلزال تتوالى على أرض العراق بين الحين والآخر متمثلةً بالهجمات المتقابلة بين الفصائل المدعومة أيرانياً والجيش الأمريكي. وقد أذكت البرقية المسربة لقائد القوات الامريكية في العراق عن خطة ضرب كتائب حزب الله العراقية والتي نشرت في النيويورك تايمز فضلا عن مقالات أخرى وانسحاب الجيش الامريكي من بعض القواعد العراقية ونشر منظومات صاروخية أمريكية متطورة في قاعدتي عين الاسد وحرير اللتان لازالت القوات الأمريكية تتواجد فيهما،التوقعات بحرب شاملة بين القوات الأمريكية وفصائل مايسمى(المقاومة)العراقية.زاد من حدة هذه التوقعات تسريبات عن أنقلاب عسكري مدعوم أمريكياً في العراق ودخول تلك الفصائل في حالة أنذار!
وفي أعتقادي فأن هناك مبالغات(قد تكون مقصودة) في تلك التوقعات ، حسب تحليلي لموقفي أمريكا وأيران مما يمكن حصوله.سأستعرض هنا الستراتيجية الايرانية في مواجهة أميركا وأنعكاساتها العراق،ثم الستراتيجية الأميركية في مواجهة أيران وذلك للوصول الى أستنتاجات واقعية عما يمكن حصوله مستقبلاً.
تقوم الستراتيجية الأيرانية في مواجهة أمريكا على الصمود أطول ما يمكن في وجه حملة الضغط الشامل التي تمارسها أمريكا سياسيا وأقتصادياً وحتى عسكرياً أن تطلب الأمر. تأمل أيران في نهاية الأمر بسقوط ترامب وأدارته المتشددة بالانتخابات الأميركية القادمة ومجيء إدارة ديمقراطية مشابهة لأدارة أوباما أو على الأقل ليست عدائية تجاهها مثل أدارة ترامب. وللمساعدة في حصول ذلك تحاول أيران توفير مادة أعلامية دسمة لمنصات الأعلام الأميركية التي تعلن معظمها عداءها الواضح لترامب. ففي سنة انتخابية يمكن ان يلعب الاعلام الاميركي المعادي لترامب دوراً محورياً في هزيمته بخاصة وأن النتائج الأقتصادية الجيدة التي كان يحققها ترامب حتى أشهر قريبة مما كان يجعل غالبية المراقبين يتوقعون إعادة أنتخابه بدأت تتلاشى في ضوء فشله التام(حتى الان) في إدارة أزمة كورونا التي بدأت تتفاعل مع الأزمة الأقتصادية الخانقة الناجمة عن حرب أسعار النفط من جهة وتوقعات الكساد العالمي المتوقع من جهة أخرى. في ظل كل ذلك ستزداد أهمية السياسة الخارجية في حسم الانتخابات بالنسبة لترامب. لذا تحاول أيران جر أمريكا نحو الحرب. وبما أن أيران تدرك أن مثل هذه الحرب ستعني سقوط النظام الأيراني لذلك فأن أفضل ساحة لمواجهة أميركا هي العراق، وذلك للأسباب الآتية:
١.وجود قوات أميركية كبيرة ومهمة يمكن ايقاع الخسائر فيها بسهولة نسبية أكبر من باقي السوح.
٢.نفوذ أيران القوي على الحكومة العراقية والنظام السياسي عموماً،مما يتيح لها حرية حركة أكبر من باقي السوح التي تتواجد فيها القوات الاميركية بالمنطقة.
٣.وجود الفصائل المسلحة العراقية المدعومة أيرانيا والمرتبطة عقائدياً بولاية الفقيه هي وقياداتها. بالتالي يمكن مهاجمة القواعد الأمريكية بواسطة هذه الفصائل دون تحمل أي مسؤولية قانونية عن ذلك.
٤.لا يزال العراق يشكل مادةً دسمةً للأعلام الأمريكي ولدوائر القرار هناك،نظراً للاستثمار الضخم لأميركا في العراق منذ ٢٠٠٣ الى الآن.
من هنا تقوم الخطوة اللاحقة للنظام الايراني على جر أمريكا لمواجهة مسلحة مع الفصائل العراقية تؤدي من جهة الى الضغط على الحكومة والقوى السياسية العراقية للمطالبة بسحب القوات الأمريكية مما يعد خسارة ستراتيجية لأمريكا. كذلك أيقاع أكبر ما يمكن من الخسائر في القوات الأمريكية مما يجعل هذه المعركة في قلب اهتمام الأعلام الأمريكي.
أما الستراتيجية الأميركية والتي تعي تماماً ما تريده أيران فتقوم على شقين رئيسين:
١.إدامة حملة الضغط الأقصى على النظام داخل أيران حيث أثبتت هذه السياسة قدرتها على تعبئة وتحريك الشعب الأيراني ضد النظام.ويتوقع زيادة الضغوط على النظام في ظل تفاعل أزمة كورونا مع الأزمة الأقتصادية الخانقة للنظام. وتشير تقديرات بعض مراكز الأبحاث أن الأقتصاد الأيراني سينهار في نهاية النصف الثاني من هذا العام.
٢.تقليل المخاطر المحتملة لتواجد القوات الأمريكية في العراق من خلال مواجهة خطر السلاح غير التقليدي الذي تمتلكه أيران،المتمثل بالميليشيات العراقية المسلحة. يتم تقليل هذه المخاطر بأسلوبين عسكريين أعتمدهما الجيش الأميركي الى الان:
أ. أعادة أنتشار القوات الأميركية في العراق بحيث يسهل الدفاع عنها تجاه السلاح الوحيد الذي تمتلكه الميليشيات وحتى أيران لتهديد تلك القوات وهو الصواريخ البالستية أو كاتيوشا.فبعد أن أختبرت أميركا خلال الأشهر الماضيةأقصى رد عسكري أيراني أو فصائلي محتمل على قواتها،قامت بنشر منظومات الصواريخ المختصة بمعالجة هذين النوعين من الصواريخ في قاعدتي حرير وعين الأسد.
ب. أستخدام سلاح الردع من خلال الرد الفوري والشديد على أي هجوم صاروخي من قبل أي فصيل مسلح أولاً،وفرض عقوبات على كل القيادات والسياسيين الذين يساندون هذه الفصائل ثانياً.
أما السياسة الأميركية تجاه العراق في هذه المرحلة فتتمثل أساساً بعدم أشعار العراقيين أنهم أداة في مواجهة أيران،لذلك تحاول أمريكا عدم أيقاف أي مساعدات عسكرية أو أقتصادية وأدامة الأعلان عن تلك المساعدات.كذلك التأكيد أن العراق له أهمية ستراتيجية قصوى لأمريكا التي أستثمرت فيه كثيراً وبالتالي لا تريد مغادرته. وتعلم أمريكا أن أيران قد فقدت أهم عناصر قوتها في العراق وهي قوة التأثير الناعمةsoft power التي كانت تتمتع بها بخاصة بين أبناء الجنوب. لذلك تحاول أمريكا تجنب أي سياسة قد يتم تجييرها شعبياً لصالح أيران.
واضح من خلال ما تقدم أن أمريكا تدرك أن الزمن لا يعمل في صالح النظام الايراني الذي يخسر يومياً سواء في داخل أيران أو في العراق. لذلك سوف لن تقدم أميركا على أي عمل تعرضي يساعد أيران على تحقيق غايتها، أي خسارة ترامب للانتخابات. وأن أي تصعيد من قبل الفصائل المسلحة،وهو ما يبدو محتملاً جداً،سيواجه برد عنيف لكن مسيطر عليه من قبل القوات الأمريكية.

Leave a Comment

Your email address will not be published.