عذراً فلسطين فقد بتِ ترفاً لا نقوى عليه

عذراً فلسطين فقد بتِ ترفاً لا نقوى عليه

منقذ داغر

منذ وعى جيلي على الدنيا وفلسطين هي مبلغ همّه وجُلَّ علمهِ ومدار فهمهِ. أول ما أذكر في هذه الدنيا من السياسة حين أخذ والدي كل أخوتي الكبار ليتبرع وإياهم بدمائهم لجرحى ما سُمي بأيلول الأسود عام 1970.

ولا أنسى (وأنا شاب يافع) شعور الحماس والفخر وأنا أستمع للإذاعات عام 1973 وهي تنقل أخبار عبور خط بارليف. كما لا أنسى يوم تطوع أخي الأكبر للقتال مع الفدائيين في لبنان ضد الحلف الإسرائيلي – الكتائبي.

لا أنسى كل ذلك وغيره. ويقيناً لدى جيلي من الأحداث والذكريات ما لا يمكن نسيانه. ففلسطين جزء لا يتجزأ ليس من وعينا السياسي فحسب ولا من ذاكرتنا التاريخية أيضاً بل الأهم هي جزء من عمرنا. لكننا وللأسف لم نحرك ساكناً تجاه فلسطين منذ عقود، وعجزنا حتى عن الإستنكار عندما منح ترامب القدس إلى الصهاينة ، واكتفينا بمط شفاهنا عندما أعلن مع نتنياهو (صفعة) القرن المشؤوم.

عذراً فلسطين … عذراً أبي … عذراً جيلي وأخوتي … فقد باتت فلسطين ترفاً لا نقوى على ممارسته. وإحدى كماليات السياسة التي نشتهيها ونعجز عن أن نقتنيها . فمنذ أن تاجر فينا دلالو القضية وعرابيها، ومنذ أن باعوا لنا الشعارات وإشتروا لأنفسهم القصور والعمارات بتنا لا نقوى على لقمة عيشنا. وصار كل همنا أن نكافح الفساد في بلداننا ، وندفع الديون التي سببتها الشعارات الزائفة من جيوبنا ، ونبحث عن مستشفى نظيف يعالجنا ، ومدرسةً لائقةً بأطفالنا، ونشبع الفقراء خبزاً ، والأميين علماً والشباب العاطل عملاً. بتنا منغمسين في همنا اليومي حد النخاع لأننا إعتقدنا أن الأوطان تسترجع بالسلاح فإشتريناه وكدسناه. وتوهمنا أن الشتيمة والسباب تطرد العدو فأنشئنا مئات الإذاعات والفضائيات التي يتنافس فيها القارقوزات الذي يسبون الصهاينة والمؤامرة الإمبريالية. أشبعنا العدو ضرباً فأشبعناه شتيمةً وسباً.

نسينا العلم والتنمية وتذكرنا الخنجر والأغنية. فغرقنا بخمر التخلف وأدمنّا أفيون القروض والديون. فبتنا مدينيين للصهاينة وللشيطان الأكبر بقوت يومنا ومعاش أمرنا. لقد كسروا عيوننا وإستعمروا جيوبنا واستحمروا عقولنا فبتنا لا نقوى حتى على شتيمتهم أو إستنكار فعلتهم لأنهم أولياء النعمة ونخاف منهم النقمة.

عذراً فلسطين فقد أرهقنا هَمُّ يومنا وعيالنا حتى أصبحتِ كالموز الذي كان أطفالي يرونه معلقاً في محلات البقالة في التسعينات فلا يعرفونه لأني لم أكن قادراً على شراءه لهم. ولحين استطاعتنا شراء الموز فإن علينا أن ننتج القمح، وأشياء أخرى تسد رمقنا، وتشبع جوعنا، وتسدد ديوننا، وتحرر إرادتنا من ذلك التخلف.

1 Comment

  1. فعلا كبرنا على الفكرة و لم نستطع ان نحقق اي هدف من الاهداف المنشودة بالعكس رجع مستوى بلدنا و صار حلم نعيش حياة كريمة هادئة آمنة كم عائلة اتشردت كم عائلة صار عدها شهيد مشينا ورا طريق الحروب و ضاع الوطن و احنة ضعنا

Leave a Comment

Your email address will not be published.