إنهاء أخطاء الستراتيجية الكبرى لأمريكا – القسم الثاني

إنهاء أخطاء الستراتيجية الكبرى لأمريكا – القسم الثاني

Ending Americans grand strategic failures

https://www.csis.org/analysis/ending-americas-grand-strategic-failures

June 22 Anthony Cordesman

تلخيص وتعليق

منقذ داغر

باحث أقدم غير مقيم في مركز الدراسات الستراتيجية والدولية

رئيس المجموعة المستقلة للابحاث

بعد أن عرضت قبل عشرة أيام المقال المهم الذي كتبه مجموعة باحثين في مجلة الفورن افيرز في عددها الاخير والمعنون ( نهاية الستراتيجية الكبرى ) أضع بين ايديكم تلخيصاً وتحليلاً لمقال آخر مهم يناقش أيضا موضوع الستراتيجية الكبرى لأمريكا في العالم لكنه يختلف تماماً في توجهاته. ففي تقريره الذي نشره قسم كرسي بيرك ( الذي أنتمي له ) في مركز الدراسات الستراتجية الدولية في واشنطن والمعنون (إنهاء أخطاء الستراتيجية الكبرى في أمريكا) يجادل البروفسور كوردزمان بعكس مقال الفورن افيرز بضرورة وضع وتنفيذ ستراتيجية كبرى لأمريكا في العالم. وكوردزمان هو أحد المؤيدين للاتجاه القائل أن الوضع الستراتيجي لامريكا في العالم هو أحد مصادر قوتها الستراتيجية التي لا ينبغي التخلي عنها. يقابل ذلك, الرأي الذي عرضته سابقاً في مقال فورن أفيرز والذي يدعو للتخلي عن ستراتيجية كبرى لوضع أمريكا دولياً كون أمريكا لم تعد لاعباً مهما وحيداً في الساحة الدولية.

يؤكد كوردزمان هنا على أن أمريكا أخطأت عندما باتت تركز في ستراتيجيتها الدفاعية على زيادة الانفاق العسكري دون أن يوجه ذلك الانفاق وضوح للاهداف الستراتيجية التي يراد تحقيقها منه. وأن أمريكا بدلاً من أن تصنع خططاً لتنفيذ ستراتيجية الامن القومي الجديدة لعام 2017 باتت تهتم بتفاصيل غير مهمة بل مضرة للستراتيجية الكبرى لأمريكا مثل تقليص النفقات في الخارج والتشدد في مشاركة الشركاء الستراتيجيين للنفقات من خلال اجبارها على زيادة انفاقها العسكري دون تقييم حقيقي لأثر ذلك الانفاق على ستراتيجية الشريك الاكبر ( أمريكا ) . وبدلاً من الاهتمام ببناء وتعزيز الشراكات الستراتيجية في مختلف مناطق العالم لمواجهة المنافسين الكبار ( روسيا والصين ) والمنافسين الاقليمين ( ايران وكوريا الجنوبية ) تركز أمريكا فقط على اجبار شركائها الاقليميين على زيادة انفاقهم العسكري لان ذلك يدر فوائد مباشرة لامريكا دون ادراك للمخاطر الستراتيجية الناجمة عن ذلك ، و دون ادراك أن المطلوب هو ليس مقدار الانفاق العسكري بل زيادة كفاءة ذلك الانفاق بخاصة وأن شركاء أمريكا في كل العالم ينفقون أكثر بكثير مما ينفقه منافسو أمريكا العالميين والاقليميين.

يطالب كوردزمان بالعودة الى التركيز على الهيكل الدولي للعلاقات الذي استثمرت أمريكا كثيرا في بناءه من الحرب العالمية الثانية والتأكيد على تعزيزه وتطويره بدلاً من التخلي عنه كما فعلت عندما تخلت عن كثير من المعاهدات والشراكات الدولية.

وكان آخرها تقليص الوجود الامريكي في ألمانيا بسبب زعل ترامب من ميركل لانها لم تحضر قمة G7 التي عقدت في أمريكا والتي كانت مخصصة للاستعراض أكثر منها لبناء شراكات ستراتيجية.

ان على أمريكا أن تركز على المجالات الرئيسة للتنافس والتي تبرع فيها وتستطيع التفوق فيها على روسيا والصين ( تطوير الاسلحة النووية ، الحد من التسلح ، حقوق الانسان ، الاستثمار في العلاقات الدولية ) وترك المواضيع الأصغر للشركاء الاقليميين ليتعاملوا معها بعد أن يتم تعزيز الشراكة معهم.

وينصح المقال اخيراً بالتحول من ستراتيجية تقليص النفقات الى ستراتيجية بناء الشراكات والأولويات. ونظرا لأهميت التقرير وضرورة عدم اختصاره فقد قررت عرضه في حلقتين كي لايصبح طويلا وتصعب قراءته.

الترجمة:

القسم الثاني

لقد قللت أمريكا من أهمية شراكاتها الستراتيجية ، كما تخلت عن جهود السيطرة على التسلح وركزت على التحالفات والشراكات الستراتيجية التي تجلب لها منافع قريبة ومباشرة من خلال الانفاق العسكري فحسب.

ولا تبدو هناك ستراتيجية عسكرية – مدنية متماسكة للتعامل مع الصين ولا تبدو هناك أي جهود جدية للتعامل مع الموقف في جنوب شرق اسيا أو مبادرة حزام وطريق الصين. وحتى الاتفاقات التجارية والعقوبات الاقتصادية والتعرفة الجمركية لا تعدو كونها ممارسات انتهازية تهدف للحصول على فوائد مصلحية لا ترتبط بجهود متماسكة لبناء علاقات ستراتيجية طويلة المدى.

وقد تخلت أمريكا عن جهودها في مجال الدفاع عن حقوق الانسان ، و وسط آسيا ( الهند ، باكستان ، وأفغانستان) ولم يعد أحد في الخليج العربي والشرق الأوسط يعرف لأمريكا أي أولويات ستراتيجية عدا محاربة ايران والمشاركة في عبء الانفاق العسكري هناك. وتآكلت الثقة في أمريكا بعد التحول المفاجئ في أسلوب أمريكا من خفض القوات هناك الى أسلوب زيادة القوات ثم العودة بعد ذلك.

كما تآكلت الثقة بأمريكا بسبب مطالبتها لشركائها الستراتيجيين بزيادة انفاقهم العسكري في حين أن دول مثل عمان والعراق والسعودية والامارات تنفق حتى أكثر مما تنفقه أمريكا عسكريا مقارنة بحجم اقتصادهم!

وتم التخلي عن حل الدولتين في الصراع العربي لاسرائيل. وبعد 17 سنة من غزو العراق لا توجد لامريكا ستراتيجية واضحة للتعامل مع سوريا ولبنان واليمن والعراق ودول البحر الاحمر. والمواجهة مع ايران زادت مخاطر الصدام في الخليج وزادت من انتاج ايران لليورانيوم المخصب.

أكثر من ذلك فلا أحد في منطقة الخليج يمكنه التنبؤ بمدى الالتزام الأمريكي للبقاء في المنطقة ولا باحتمالات نشوب حرب نتيجة الضغوط على ايران . وبات الشركاء في الخليج يمنحون ايران وروسيا فرصاً أكبر بعد أن قلت ثقتهم بأمريكا.

كما أن هناك فوضى وعدم وضوح في الدور الأمريكي بعد دحر داعش عسكرياً وفقدان الدور القيادي هناك ، وعدم الوضوح في التعامل مع سوريا . وكانت كل النجاحات العسكرية التي تحققت ( إن وجدت ) في مكافحة الارهاب والمنطقة تعزى الى احترافية ومهنية الخبراء والتي ركزت حصراً على التعامل مع التهديدات العسكرية المفروضة من قبل داعش. ولم تبذل أي جهود كافية للتعامل مع أسباب هذا الارهاب ، وعدم الاستقرار والفشل الاقتصادي هناك.

ورغم أن ألمانيا ارتكبت خطأ في عدم زيادة انفاقها العسكري الا أن تقليص القوات الامريكية فيها و توتر العلاقات معها هو خطأ ستراتيجي لانها جزء من منظومة الردع الامريكي ضد روسيا كما أنها محطة أساسية في طريق قوات امريكا للخليج.

يجب عدم المبالغة بالطلب من أوروبا أن تزيد من انفاقها العسكري فهي تنفق الآن 284 مليار دولار ( حوالي 4.6 مرات أكثر من روسيا التي أنفقت 61.6 مليار عام 2019 ) . في حين تنفق أمريكا حوالي 12 مرة أكثر من روسيا. وتنفق ألمانيا لوحدها 54 مليار دولار أي حوالي 88% من الانفاق الدفاعي الروسي.

أما في الخليج فمقابل ايران التي تنفق حوالي 17 مليار دولار سنوياً على الدفاع تنفق دول المنطقة حوالي 150 مليار دولار ( بضمنها 20 مليار دولار ونصف ينفقها العراق )2 ، ونفس المقاربة تبرز عند مقارنة ما ينفقه شركاء أمريكا في الشرق الاقصى مقابل ما تنفقه الصين.

 ان هذا الموضوع مهم جداً عند صياغة الستراتيجية الكبرى لأمريكا لانه يخدم أمريكا وشركائها من جهة ويتغلب على المنافسين لأمريكا ( روسيا والصين وايران وكوريا الجنوبية ) .فالمشكلة الرئيسية هي ليست في انفاق المزيد بل في الانفاق بكفائة أكبر.

فالأولويات الستراتيجية هي كيفية جعل شركائها أكثر فاعلية وتطوير خطط وموازنات متناسقة تخدم الانفاق العسكري والمدني.

وعلى أمريكا أن تعود للتركيز على الحد من الأسلحة النووية في العالم وتحديث الترسانة النووية. لكن المزيد من التشتت سيقود الى فوز روسيا والصين في منافسة أمريكا في مجالات الاقتصاد والسياسة ، والمناطق الرمادية والحروب بالانابة.

وعلى أمريكا التركيز على تدعيم الهيكل الدولي الذي تبنته منذ نهاية الحرب الثانية في مجالات الاقتصاد والمجالات المدنية والعسكرية الاخرى. بعبارة أخرى فمن الافضل لأمريكا أن تعمل مع شركائها الآن ( بخاصة في ظل كورونا) من أن تتخلى عنهم وأن لا تصر في التشاركية في الأعباء وتقليص القوات والانسحاب من المعاهدات.

 

2- العراق ينفق على الدفاع اكثر من ايران بثلاث مليارات تقريباً ( المترجم )

Leave a Comment

Your email address will not be published.