! الحرس الثوري الإيراني ، دور مفقود أم مستقبل موعود

! الحرس الثوري الإيراني ، دور مفقود أم مستقبل موعود

منقذ داغر

لعب الحرس الثوري الايراني دوراً مهماً ومتنامياً في رسم هيكل السلطة في ايران وفي أمن أيران والخليج العربي.كما ان الحرس الثوري لعب دوراً مهما في سياسة العراق ومستقبله. هذه الدراسة لمنقذ داغر تقدم رؤية عراقية لمدى جدية التحدي الذي يفرضه الحرس الثوري على العراق.وكضابط وأستاذ في الدفاع الوطني في الجيش العراقي السابق،فضلاً عن عمله المكثف في استطلاعات الرأي العام في العراق والشرق الاوسط،يقدم منقذ رؤية مكثفة عن موضوع الحرس الثوري في إيران.يشغل منقذ داغر الان موقع مدير الشرق الاوسط وشمال افريقيا في مؤسسة گالوب الدولية،كما أنه باحث أقدم غير مقيم في مركز الدراسات الستراتيجية والدولية بواشنطن.

انثوني كوردزمان (استاذ كرسي بيرك – مركز الدراسات الستراتيجية و الدولية في واشنطن)

لسنيين طويلة لعب التفاعل بين قوى المؤسسة الدينية والعسكرية والبازار دوراً مهماً في تشكيل هيكل السلطة والسياسة في إيران. وقد أدى هذا التفاعل إلى ثورة 1979 حيث تحالف البازار ( الذي كان يعاني من مشاكل مع المؤسسة الرسمية الحاكمة) مع المؤسسة الدينية لإسقاط نظام الحكم آنذاك. وبعد أن استقر الحكم للمؤسسة الدينية التي استطاعت أن تبعد المؤسسة العسكرية من جهة وكبار المهنيين والبيروقراط من قوى المعارضة من جهة أخرى عن مؤسسات الحكم ، بدأت الثورة تأكل أبناءها وبدأ تشكل جديد لهيكل السلطة يعتمد على مبدأ الشرعية الثورية والدينية. وكان لتحالف الخطاب الديني المتشدد مع الخطاب الثوري فضلاً في استقرار الأمور للنظام الجديد.

جاءت حرب الثمان سنوات مع العراق في ثمانينات القرن الماضي لتزيد من مشاكل المؤسسة العسكرية الرسمية الايرانية التي تم تدميرها كلياً ليس بسبب ضربات الجيش العراقي فقط بل بسبب شعور عميق لدى المؤسسة الدينية أنهم غير موالين لهم. أما البازار وهو الحليف الرئيس لسلطة المساجد والحسينيات في إيران عانى هو الآخر طوال الحرب نتيجة الخسائر الإقتصادية الهائلة. فقد قدرت مصادر رسمية إيرانية تلك الخسائر بحوالي نصف ترليون دولار[1]. ويبدو أن إضعاف البازار كان متعمداً مثلما كان إضعاف الجيش النظامي ففي الحالتين تولى الحرس الثوري إزاحة هاتين المؤسستين من السلطة والحلول محلها ليصبح المنافس الرئيس على السلطة في إيران وليقفز من مجرد ذراع عسكري للثورة الناشئة عام 1979 إلى لاعب سياسي رئيس ، وتشير بعض التقارير إلى أنه كان يعد نفسه لدور صانع السلطة بدلاً من أن يكون لاعبها فقط. فكيف تسنى للحرس الثوري أن يحوز على هذا المقدار من القوة وما هو الدور المستقبلي لإيران في ظل التنافس بين الحرس الثوري والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية في إيران؟

* نشوء ونمو الحرس الثوري الإيراني

فرضت عدم ثقة المؤسسة الدينية (التي قامت بثورة 1979 مع حلفائها من البازار والقوة المدنية ) بالمؤسسة العسكرية الإيرانية التقليدية وحاجتها إلى ذراع عسكري عقائدي نشوء الحرس الثوري الإيراني بعد الثورة مباشرة. وقد نصت المادة 51 من الدستور الإيراني على أن الحرس الثوري هو حامي الثورة وإنجازاتها ،  وبذلك بات الحرس الثوري ليس مؤسسة دستورية فحسب بل اكتسب الحق القانوني لممارسة السياسة بحجة حماية الثورة وإنجازاتها. وقد كانت الحرب العراقية الإيرانية فرصة للحرس الثوري لا ليثبت ولاءه للنظام فحسب بل ليبرز على أنه القوة العسكرية الرئيسة التي تحمي إيران من أطماع الدول الأخرى ومن إسقاط الثورة.

لقد أدركت القوى المتنافسة على السلطة خطر تعاظم سلطة الحرس الثوري على سلطاتها وحاولت الحد من ذلك لكنها في النهاية فشلت. فقد حاول خاتمي خلال فترة رئاسته الحد من سلطات الحرس وقد ساندته في ذلك قوى البازار. لكنه لم ينجح لا بسبب وقوف القوى المحافظة ( وعلى رأسها المرشد الأعلى) ضده فحسب بل لأن الحرس الثوري لعب دوراً رئيساً في ذلك. وحتى عندما حاول عام 2005 الترشح ثانية للرئاسة ، عمل الحرس على ضمان فوز أحمدي نجاد بدلاً منه. [2]

كان لتحالف الحرس الثوري مع المرشد الأعلى بعد إنتخابه في حزيران عام 1989 أكبر الأثر في نمو نفوذ وسلطة هذا الحرس. لقد أشارت مصادر عديدة أن خامنئي قد أنتُخب بسبب شعور المؤسسة الدينية الإيرانية (وفي مقدمتها الرجل القوي آنذاك رفسنجاني) أن المرشد الجديد لا يتمتع بالمكانة الدينية والعلمية أو حتى العلاقات التي تجعله رجل إيران القوي.[3] ويبدو أن السيد الخامنئي كان يدرك ضعف موقفه في مواجهة المؤسسة الدينية القوية ورجلها النافذ (رفسنجاني) فبدأ علاقة وثيقة مع الحرس الثوري (المؤسسة القوية والصاعدة) أتاحت للحرس الثوري زيادة نفوذه الإقتصادي والسياسي بشكل هائل خلال عقد التسعينات. وعندما لاح في الأفق تهديد جدي جديد لسلطة المرشد الأعلى بصعود نجم الرئيس الإصلاحي خاتمي، إستعان المرشد الأعلى بالحرس الثوري الذي لعب دوراً كبيراً في فوز رجلهم أحمدي نجاد بدلاً من خاتمي، مما أثار إضطرابات شعبية في إيران أتُهم فيها الحرس الثوري بالتعاون مع المرشد الأعلى لمنع فوز الإصلاحيين بالحكم ولإبقاء النهج المتشدد مسيطراً على إيران. وكانت هذه هي اللحظة الحاسمة في صعود القوة السياسية للحرس الثوري*[4]. لقد كان من الطبيعي أن يؤدي انخراط الحرس الثوري في السياسة إلى خلافات بين قادة الحرس أنفسهم حول عدد من المواضيع الخاصة بالسلطة وممارسة السياسة ودور الحرس الثوري فيها. ومن الأمثلة المهمة على تلك الخلافات استقالة آية الله منتظري عام 1989 والذي كان ينظر له على أنه أكثر المرشحين المحتملين لخلافة الخميني ومعلوم أن عدد مهم من قادة الحرس الثوري يقلدون آية الله منتظري. كما كان الموقف من إصلاحات خامنئي غير موحد داخل مؤسسة الحرس.
في تموز 1999 أرسل 24 من قادة الحرس الثوري رسالة شديدة اللهجة الى الرئيس خاتمي حذروه فيها من البقاء صامتاً أزاء الممارسات التي باتت(كما يعتقدون)تهدد إستقرار البلد. ومع ذلك كان للجنرال علي رضا من الحرس الثوري رأي مخالف لاولئك القادة.كما كان استبدال قائد الحرس الثوري السابق علي لاريجاني من منصبه كرئيس المفاوضين حول الصفقة النووية مع دول (5+1) والمجيء بجليلي الذي هو الآخر أحد قادة الحرس الثوري السابقين لكنه يمتلك رؤية تختلف عن لاريجاني ، فصلاً جديداً قي الصراع داخل الحرس. ومعلوم أن لاريجاني كان على خلاف واضح مع الرئيس أحمدي نجاد حول الصفقة النووية.

ولزيادة نفوذ الحرس فقد تم تأسيس مؤسسة الاستخبارات الخاصة بالحرس الثوري في وقت أحمدي نجاد الذي يعد أحد متطوعي الحرس الثوري السابقين. وقام نجاد بتعيين العشرات من قادة الحرس الثوري في مواقع مهمة بالدولة ليوسعوا هيمنتهم على الدولة. وقد أدى ذلك الى إحالة مليارات الدولارات من العقود الحكومية الى مؤسسة الحرس. وكنتيجة لفشل أجهزة الاستخبارات الرسمية في منع انتفاضة 2009 الشعبية فقد منح المرشد الأعلى مخابرات الحرس سلطات واسعة أكبر من وزارة الأمن الوطني. كما زادت قدرة الحرس الثوري في السيطرة على الاقتصاد الايراني بعد العقوبات الأمريكية عام 2010 نتيجة إنشائه لعشرات الشركات كواجهة له للالتفاف على العقوبات ومن خلال عمليات التهريب الواسعة التي قامت به هذه الشركات.[5] هذا الصعود القوي والنمو الكبير في نفوذ وسلطة الحرس الثوري لابد أنه استثار غيرة وغضب أولئك الذين تم تهميشهم مثل وزارة الأمن الوطني.

*موقف الحرس الثوري الآن

من المؤكد أن الحرس الثوري بات القوة الأولى المهنية على الأمور في إيران ، لا بل أن المؤسسة الدينية صارت تحسب له ألف حساب. وكأي منظمة ضخمة تريد أن تديم هيكل السلطة والنفوذ كان عليها أن تجيد لعبة التحالفات مع القوى المؤثرة الأخرى . ونظراً لهيمنة الحرس الثوري على أهم مصدرين للنفوذ (المال والسلاح) فليس من الصعب عليه الوصول إلى تفاهمات مع أطراف النفوذ التقليدية في إيران (المؤسسة الدينية والبازار والبيروقراطية والجيش).

مع هذا فإن التحدي الكبير الذي بات يواجه الحرس الثوري على ما يبدو هو الشعور المتنامي من باقي المنافسين بالتهميش والتهديد لمصيرهم. فالمؤسسة الدينية تم إضعافها بهذا التحالف بين المرشد الأعلى والحرس الثوري. فخامنئي الذي يحكم البلاد منذ 1989 تجاوز عمره الثمانين عاماً ونجا من سرطان البروستات وبات يفكر جدياً بخليفته. ولتجنب صراع محتمل على الخلافة بين تيار المحافظين والأقل تشدداً فقد اختار خامنئي مجلس خبراء (وهم من يعينون الخليفة حسب الدستور) معظهم من كبار السن المسيطر عليهم من خامنئي. لذلك يتوقع بعض المراقبين اختيار مجتبى ابن خامنئي كخليفة محتمل ، على الرغم من أن معظم المراقبين المطلعين يعتقدون أن الخليفة المحتمل هو إبراهيم رئيس الذي دل تعيينه سادناً للمرقد الرضوي في مشهد عام 2016 ثم رئيساً للسلطة القضائية خلفاً للاريجاني عام 2019 على أنه المرشح الأوفر حظاً لخلافة الخامنئي.

ومهما يكن خليفة الخامنئي فقد كان الحرس الثوري يهيأ نفسه للعب دور أكبر في السلطة من خلال تعيين رئيس قوي النفوذ يسمح للحرس بأخذ صلاحيات أكبر من المرشد لإدارة الحكم. وكان قاسم سليماني القريب من المرشد هو المهيأ لهذا الدور. لا بل أن سليماني كان مهيئاً ليلعب الدور الأكبر في اختيار خليفة خامنئي ليس بسبب قربه من المرشد فحسب بل بسبب نفوذه داخل مؤسسة الحرس الثوري من جهة واستحواذ الحرس الثوري على كل مصادر القوة وإضعاف منافسيه من جهة أخرى.

إلا أن إغتيال سليماني (غير المتوقع) قد أعاد على ما يبدو توزيع أوراق اللعبة وبطريقة أعادت للواجهة التنافس على السلطة من قبل مؤسسات النفوذ التقليدية التي رأت في غياب القيادة الكارزمية لسليماني فرصة يجب استثمارها لتقليص نفوذ الحرس الثوري واستعادة بعض من مكانتها المفقودة.

ولعل ما ساعد القوى التقليدية للنفوذ والسلطة (فعل البيروقراطية أو مؤسسات الدولة التقليدية) فضلاً عن المؤسسة الدينية التقليدية في تعزيز موقفها هو الظروف التي تعاني منها إيران حالياً والتي بات الكثيرون يلقون باللائمة فيها على المواقف المتشددة للحرس الثوري وإسناد الخامنئي لهذا الحرس بحيث مكنه من الهيمنة على كل شيء في إيران. بمعنى آخر فقد بات الحرس الثوري يواجه هجوم مضاد عنيف من القوى التقليدية المنافسة وكان لغياب القيادة البديلة عن سليماني دور مهم في عدم قدرة الحرس على إيقاف هذا الهجوم. ويمكن تلخيص العوامل التي ساعدت القوى المنافسة للحرس على تحدي سلطته بما يأتي :

  1. الأزمة الإقتصادية :

لقد كان للأداء الإقتصادي القوي لإيران في الأعوام 2000-2018 أهمية كبرى ليس فقط في نمو قدرات إيران الاقتصادية بسرعة بل وفي نمو الإمكانات الإقتصادية للحرس الثوري بشكل هائل. لأن الحرس الثوري الايراني بات فعلياً اللاعب الرئيس والمهيمن القوي على مجمل القطاعات الاقتصادية المهمة داخل إيران.

فبعد خروج إيران من الحرب مع العراق عام 1988 ، ركزت ايران جهودها على تطوير القطاعات الاقتصادية المختلفة مع تركيز على الاتصالات والنقل والتصنيع وحسنت كثيراً من البنية التحتية والربط مع الدول المجاورة. وقد حصل ذلك برغم العقوبات التي فرضتها أمريكا على إيران آنذاك والتي تمنع الشركات الأمريكية من التعامل بمبلغ يزيد عن 20 مليون دولار مع ايران عدا قطاعات الأدوية والمعدات الطبية. إلا أن إيران مضت في برنامجها الاقتصادي والنووي الطموح.

وقد حققت ايران معدلات نمو اقتصادية بمعدل 3.9% سنوياً للفترة من 1991-2003 و 6.3% لغاية 2010. كما زادت السيولة النقدية بأكثر من 33% خلال نفس الفترة صاحبها انخفاض في معدل التضخم من حوالي 25% الى 16% وزاد الاستثمار من 4 الى 12% ونمت الصادرات غير النفطية من 5.6% الى 10.7% وانخفض معدل من هم دون خط الفقر من 15% الى 7% فقط. كما انخفض معدل البطالة الى 7% فقط عام 2010.[6] [7]

وقد أدى ذلك إلى ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي الإيراني ليصل إلى حدود نصف ترليون دولار حسب تقديرات البنك الدولي الأخيرة.

لقد أدى هذا الأداء الإقتصادي القوي لإيران مصحوباً بما ذكرناه سابقاً من إطلاق يد الحرس الثوري في الإقتصاد الإيراني بحيث قدرت بعض المصادر الغربية حجم الإقتصاد المسيطر عليه من قبل الحرس الثوري بثلث إلى ثلثي الناتج المحلي الإجمالي ، أدى ذلك إلى نمو القدرة الإقتصادية للحرس الثوري بشكل هائل. وبدلاً من أن تؤدي العقوبات الإقتصادية الأمريكية إلى تقليص نفوذ الحرس فقد زادت من الناحية الفعلية من قدراته نتيجة قيام الحرس الثوري بإنشاء عشرات الشركات كواجهة له للإلتفاف على تلك العقوبات من خلال قيامها بممارسة أنشطة تهريب البترول وغيره من مصادر الثروة وتحويل عوائدها إلى ميزانية الحرس الثوري. وصار الحرس يمتلك أعمالاً في مجالات النفط والغاز والنقل البري والبحري والجوي ، وأصبحت مجموعة ما يسمى (خاتم الأنبياء) المملوكة للحرس الثوري والتي أنشأت كذراع لمقاولات البناء تسيطر الآن 812 شركة إيرانية مسجلة رسمياً وأحيل عليها ما مجموعه 1700 عقد حكومي. وقامت إحدى شركات الحرس مؤخراً بشراء 51 % من أسهم شركة الإتصالات الإيرانية التي تم خصخصتها وبقيمة تصل إلى 5 مليار دولار.

لقد أدى هذا التضخم الهائل في مصادر قوة الحرس الإقتصادية إلى إثارة إنتباه الإدارة الأمريكية التي أعادت تصميم عقوبتها لتتم مراقبة أنشطة الحرس الإقتصادية بشكل أشد من خلال ادراج كثير من شركات الحرس الثوري وقادته على قوائم عقوبات الخزانة الأمريكية.

لقد أدت هذه العقوبات إلى خسائر كبيرة لا للحرس الثوري فحسب بل لإقتصاد إيران ككل. ويتوقع البنك الدولي تحقيق إيران لمعدلات نمو سالبة تتراوح بين 3 – 6 % خلال السنوات الثلاث القادمة. كما يتوقع أن يزداد التضخم بمقدار 20% سنوياً. وقد تهاوت قيمة العملة الإيرانية مؤخراً ليصل سعر الدولار إلى 42265 تومان في بداية شهر مايس. كما انخفضت الصادرات الإيرانية من النفط إلى أقل مستوياتها تاريخياً لتصب 343 ألف برميل يومياً نزولاً من 2.5 مليون عام 2018.[8]

وقد قاد هذا الأمر إلى طلب إيران لقرض مقداره 5 مليار دولار تم رفضه من قبل صندوق النقد الدولي.

وفي الوقت الذي أدت فيه أزمات إيران الإقتصادية إلى مظاهرات رفع فيها المحتجون شعارات موجهة ضد المؤسسة الدينية في السابق مثل (الموت لخامنئي ، ويجب أن يرحل رجال الدين ، يا رجال الدين أعيدوا لنا أموالنا) ، فإن المظاهرات التي اندلعت في خريف عام 2019 وجهت نقدها مباشرة إلى الحرس الثوري من خلال التنديد بتوريط إيران في نزاعات إقليمية مرددين شعار (لا غزة ولا لبنان ، حياتي من أجل إيران ، واترك سوريا وفكر فينا)[9] . واضح أن الأزمة الإقتصادية وضعت الحرس الثوري في مواجهة مباشرة مع الشارع الإيراني الساخط على سياساته .

  1. أزمة الشرعية :

تعتقد فايزة رفسنجاني ابنة الرئيس الإيراني السابق والقائد الديني البارز وهي أيضاً نائب سابق في البرمان الإيراني أن النظام الإيراني بات غير قابل للإنقاذ بسبب أزمة الشرعية. ويقول نادر هاشمي الأستاذ في جامعة دنفر والباحث الإيراني المرموق أن أزمة الشرعية هي أبرز ما يواجه النظام الإيراني حالياً.[10]  يقول أحد الزعماء الاصلاحيين الذي لا زال يتمتع بعلاقات قوية مع المسؤولين الحاليين (أن 85% من الايرانيين يكرهون النظام الحالي وأن النظام عاجز عن اصلاح نفسه من الداخل) [11]  وقد لاحظ أحد الصحفيين الأمريكان الذي استطاع الذهاب لإيران كيف خيم الصمت المطبق على الساحة التي أعُدّت لتكون مكان الاحتفال بالذكرى 14 للثورة هذا العام ، عندما حضر الرئيس روحاني لموقع الاحتفال وبدا واضحاً سخط الناس على الثورة.[12]

إن معدل أعمار الشعب الإيراني هو 30 سنة ، وهذا يعني صعوبة تقبل المقاربة الدينية التي يتبناها النظام كمبرر لشرعيته كما يعتقد الباحث هاشمي. ويشير هنا إلى حادثتين مهمتين،. الأولى هي تهديد أحد القيادات الايرانية البارزة بجلب مقاتلين من الخارج بضمنهم الحشد الشعبي من العراق لحماية الثورة الايرانية في حال لم يستطع الايرانيون حمايتها!!
وكان الحدث الثاني هو خطاب آية الله محمد طاقي الذي اعترف في نهاية ك١ ،2018، والذي اعترف فيه بأزمة النظام مع الشباب حيث بدأت قيم الديمقراطية والحرية هي الأكثر انتشاراً بدلاً من قيم الولاء للدين.[13]

إن تكرار التظاهرات الشعبية العارمة في إيران وفي فترات متقاربة كان آخرها ما حصل هذا الشهر وقبلها مظاهرات خريف 2019 دليل واضح على مدى تآكل شرعية النظام . وبما أن الحرس الثوري يستمد شرعيته (دستورياً) من حماية الثورة وعملياً من تحالفه مع مؤسسة المرشد الأعلى فيبدو أن الحرس الثوري مقبل على ظروف صعبة في مواجهة الشعب. وقد تجلى ذلك واضحاً في الشعارات التي رفعها المتظاهرون في الاحتجاجات الأخيرة.

ومما فاقم من أزمة الشرعية حالياً طريقة استجابة النظام للتصدي لجائحة كورونا والتي وضعت مصلحة النظام وأيدولوجيته قبل صحة المواطن وأهميته. ورغم أن إيران هي من أوائل الدول التي أصابها الوباء قادماً من الصين ، ورغم أنها بؤرة الوباء في الشرق الأوسط وهي ضمن أعلى عشر دول في العالم في معدل الاصابة فإن عمليات الإخفاء للحقائق التي مارسها النظام سواء تجاه الجمهور الإيراني أو العالم قوضت كثيراً من شرعية النظام. ويصف مقال نيويوركر كيف مُنع الطبيب آزاد (في مستشفى مدينة جرجان الايرانية) من أن يذكر أن سبب وفاة أحد المرضى هو فايروس كورونا المستجد وبطلب من السلطات المختصة في وقت مبكر جداً هو شهر ديسمبر 2019.

وأخفت السلطات الإيرانية هذه الحقيقة  واستمرت الحياة والأنشطة اليومية اعتيادياً. لا بل أن شركة طيران ماهان (التابعة للحرس الثوري) استمرت في رحلاتها المنتظمة إلى مدينة ووهان الصينية حتى بعد أسابيع من الإعلان رسمياً أن هذه المدينة هي التي بدأ فيها الوباء. ولم تعلن إيران عن الوباء إلا في 19 فبراير ، أي قبل يومين من موعد الانتخابات البرلمانية وكان المئات من الموتى قد تكدسوا فعلاً نتيجة الفايروس. كما كشفت صور جوية نشرتها الواشنطن بوست في منتصف مارس عن مقابر جماعية لموتى كورونا في إيران لم يتم الإخبار عنها.[14]

  1. أزمة القيادة والخلافة :

أدى إغتيال سليماني في يناير2020 إلى بعثرة كل أوراق المخطط الذي كان يجري الإعداد له لنشوء نظام ثنائي السلطة يتقاسم فيه السلطة كل من المرشد الأعلى الجديد (والذي بدء السيد الخامنئي في تهيئته للمنصب كما أشرت سابقاً) وقاسم سلمياني كرئيس محتمل.[15]  ورغم أن كثير من المراقبين توقعوا عدم حدوث تغيير كبير في سلوك ودور الحرس الثوري الايراني بعد مقتل سليماني بسبب المؤسسية والبيروقراطية العالمية التي بات يتمتع بها الحرس الثوري بعد كل هذه السنوات على تأسيسه[16] ، إلاّ أن ما حصل فعلاً خلال الأشهر القليلة الماضية أظهر خطأ هذا التقدير. فقد ثبت فعلاً أن سليماني كان يعمل بطريقة الرجل الأوحد One man show  . لقد روى لي أحد العراقيين القريبين جداً من المشهد والذي حضر لقاء قائد الحرس الثوري الجديد (قاآني) مع القيادات الشيعية العراقية في ربيع هذا العام كيف أن هذه القيادات فوجئوا أن القائد الجديد (وبعكس ما تعودوه مع سليماني) اصطحب معه طاقم كامل من المساعدين المختصين بالشؤون المختلفة وأنه كان يتيح لهؤلاء المساعدين الحديث والمناقشة! لقد بدا لهم هذا الأمر مستغرباً بالمقارنة مع ما ألفوه من سليماني الذي كان يتولى النقاش والحوار في كل المواضيع ولا يصطحب معه أي مساعدين.

كما أشر اجتماع قائد الحرس الجديد مع رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي (والذي كان رئيساً للمخابرات آنذاك وتم إتهامه بالعمالة لأمريكا وأن له يد في اغتيال سليماني والمهندس) رسالة قوية لحلفاء إيران في العراق ببداية عهد جديد للحرس الثوري وسياسته في المنطقة وهو ما مهد الطريق للكاظمي ليصبح رئيساً للوزراء فيما بعد. لقد بدا واضحاً أن اختيار الجنرال إسماعيل قاآني خلفية لسليماني هو بحد ذاته رسالة قوية على تبدل نهج الحرس الثوري الإيراني في المنطقة العربية. فقاآني ورغم أنه عسكري محترف لكن كل خبرته تأتي من عمله في أفريقيا ووسط آسيا وبخاصة في أفغانستان وباكستان ، في حين يفتقر للخبرة في العراق واليمن ولبنان وسوريا.[17] ويبدو أن الحرس الثوري قرر التحول من نهج القيادة الفردية المطلقة التي تعتمد كاريزما سليماني إلى نهج القيادة المؤسسية للحرس الثوري ، وهو ما يبدو قراراً حكيماً للأسباب التالية :

  • من الصعب إيجاد بديل فوري جاهز لسليماني بخاصة وأن سليماني على ما يبدو لم يسمح بإيجاد مثل هذا البديل ولم يكن يتوقع مقتله بهذه السرعة.
  • تقليل المشاكل التي قد تنجم من الصراع على السلطة بخاصة وأن هناك تاريخ طويل من الصراع داخل مؤسسة الحرس على السلطة.
  • تخفيف النهج المتشدد الذي كان يقوده سليماني ليس خارج إيران حسب بل حتى داخل إيران. والكل يعلم بحادث استقالة ظريف ، وزير الخارجية ، احتجاجاً على تجاهله من سليماني ودعوته للرئيس السوري بشار الأسد لزيارة إيران دون إخبار الخارجية بهذا الخصوص.

د. إظهار مرونة أكبر بالاستجابة لطلبات الشارع الايراني المنتفض والذي يطالب إيران بالانسحاب من مغامراتها العسكرية في المنطقة العربية.

 

*ما الذي يمكن توقعه للمستقبل القريب

على الرغم من أن الحرس الثوري لا يمكنه لأسباب هيكلية وعقائدية إحداث تغير كبير في نهجه الثوري كون شرعيته قد بنيت على هذا الأساس ، إلا أن من المتوقع قيامه بالتخفيف كثيراً من خطه المتشدد في محاولة لكسب مزيد من الوقت وإعادة ترتيب أوراقه في مواجهة منافسيه التقليديين على السلطة (المؤسسة الدينية ، والبيروقراطية الايرانية والرأسمالية الايرانية التقليدية ) .

إن هؤلاء المنافسين يدركون أن الظرف الذي خلقته أزمة النظام الاقتصادية الخانقة مصحوبة بأزمة كورونا ، وأزمة القيادة والخلافة وأزمة الشرعية ، بات مؤاتياً للانقضاض على مؤسسة الحرس، ليس لانهائها (لأن ذلك بات غير ممكن عملياً ) ولكن للتخفيف من قبضتها على مفاتيح السلطة وتقويض تحالفها الاستراتيجي مع المرشد الأعلى بخاصة وهو يعاني من أمراض الشيخوخة.

لذلك فإن من المتوقع نشوء تحالفات جديدة بين هذه الأطراف المنافسة لسلطة الحرس كي تستمر بالضغط لإجراء إصلاحات جدية في النظام. وفي الوقت الذي ستحاول فيه مؤسسة الحرس إظهار أكبر قدر من المرونة للاستجابة للضغوط الداخلية والخارجية التي تواجهها ، فإنها ستحاول وبأسرع ما يمكن إستعادة زخم قوتها الذي فقدته خلال السنتين الماضيتين. وربما سيكون العامل الإقتصادي هو الأكثر حسماً في هذا الموضوع. فنمو قوة الحرس الثوري وبالتالي ديمومته اعتمد كثيراً وكما أوضحنا ذلك سابقاً على نمو الذراع الاقتصادي له والذي شكل امبراطورية اقتصادية لها رجالها وقوانينها ومتطلباتها التي سيصعب التخلي عنها إذا فشل في استعياب العاصفة . لذا فمن المتوقع أن تشهد إيران نوعاً من الاتفاق على هدنة مع العالم من جهة ومع الداخل الايراني من جهة أخرى لاعادة التنظيم والبناء شبيهة بالمرحلة التي أعقبت الانتهاء من الحرب مع العراق . وسيتم تسويق إيران للعالم مرة أخرى على أنها بلد يهتم بشؤونه الداخلية ولا يتدخل في شؤون الآخرين. وليس مستبعداً حصول اختراقات دبلوماسية بخاصة على صعيد العلاقة مع دول الخليج العربي وحتى أسلوب التعامل مع الوكلاء في العراق وسوريا ولبنان واليمن ، والذين سيطلب منهم تقليل أنشطتهم وضبطها بشكل لا يتحدى الشرعية المؤسسية في تلك الدول مع تقديم تنازلات واضحة في خطابها الثوري.

إن الأزمات المركبة الخانقة التي يعيشها النظام الايراني لا تعني قرب سقوطه فهو لا زال يتمتع بقاعدة قوية وقدرة على الاستمرار ، لكنها تعني الحاجة لممارسة لإعادة ترتيب الأولويات مع التركيز على حماية الثورة بدلاً من تصديرها للخارج. هذا لا يعني نسيان هدف تصدير الثورة والذي هو جزء من عقيدة النظام لكنه يعني اعادة بناء القوة الايرانية ( كما فعل طوال السنوات 1989-2018) لتهيئة العوامل الموضوعية لاستئناف المشروع الايراني الخارجي.
سيبقى الحرس الثوري لاعباً أستسياً في مستقبل النظام الايراني،لكنه مع ذلك سيحتاج الى التواري عن الخطوط الامامية للمواجهة الان لاعطاء نفسه فرصة لاعادة التنظيم ،وفي نفس الوقت الدفع بالوجوه المعتدلة والاكثر جذباً للغرب الى الواجهة الامامية.وبذلك سيتمكن الحرس الثوري من امتصاص النقمة الشعبية في ذات الوقت الذي يعوض فيه عن الخسائر الاقتصادية الكبيرة التي تكبدها نتيجة المواجهة مع الولايات المتحدة
ان الأزمة الحالية لاتعني ان ايران ستحتاج الى ثلاثين سنة(كما احتاجت سابقاً) لإعادة بناء نفسها وإستعادة قوتها. إنها ستحتاج غالباً الى وقت أقصر بكثير لتحقيق ذلك. وخلال هذه المدة سيبقى الحرس الثوري مسيطراً على الاقتصاد الايراني بل انه قد يعزز من قبضته عليه مقابل منافسيه التقليديي.

من جهة أخرى سيستمر الجناح المتشدد بالضغط واختلاق الأزمات داخلياً وخارجياً (بالتعاون مع وكلاءه التقليديين ) لافشال هذا التوجه المرن وسيكون من المثير مشاهدة ما ستسفر عنه معركة شد الحبل مع التيار الأكثر قوة الآن وهو تيار المرونة والعقلانية.أن من الصعب التنبؤ بمن سيفوز في النهاية،إذ أن ذلك يعتمد على عوامل كثيرة مثل:خليفة خامنئي،ومن سيكون سيد البيت الابيض للسنوات القادمة،وقدرة القادة العقلانيين على تنظيم أنفسهم وكثير من العوامل الاخرى.لكن تبقى هناك حقيقة مؤكدة وهي أن الحرس الثوري غير قابل للاستبدال كأحد أعمدة القوة الداخلية والخارجية لايران.

Leave a Comment

Your email address will not be published.