هل بايدن هو الخيار الأفضل لايران؟

هل بايدن هو الخيار الأفضل لايران؟

منقذ داغر
بعد ان باتت أقدام بايدن على ابواب البيت الابيض ويده ممسكة بقبضة البوابة ليفتحها،تعالت الأصوات في المنطقة العربية(ومنها العراق) حول السياسة الأمريكية الديمقراطية المتوقعة من المنطقة وايران ،وبخاصة في موضوع الاتفاق النووي الأمريكي الإيراني! ولأن حالة الاستقطاب بين المعسكرَين الإيراني والعربي باتت شديدة جداً فأن كثير من الآراء والتوقعات بخصوص هذا الموضوع باتت تُبنى على أساس الأمنيات وليس المعطيات! لذا تجد أن كثير من أنصار كِلا المعسكرين يتوقعون تغييراً دراماتيكياً في السياسة الأميركية تجاه إيران للاختلاف الواضح بين طريقة تفكير ترامب وبايدن وحزبيهما في شأن الشرق الاوسط. وفي الوقت الذي يجب فيه التأكيد على ان فكرة ان السياسة الخارجية الاميركية تصنعها المؤسسات وليس الرئيس وطاقمه،هي فكرة خاطئة تماماً وان المؤسسات قد تساعد في صنع قرار السياسة الخارجية لامريكا،لكن من يتخذه فعلاً هو الرئيس ومساعديه،فأنه يجب التأكيد أيضاً ان كِلا الرجلين(بايدن وترامب)ينتميان لذات المدرسة الأوبامية التي تؤمن أن منطقة الشرق الأوسط باتت عبئاً على السياسة الأميركية وان من الأفضل لأميركا ان تبتعد عنها ما استطاعت لذلك سبيلا. ورغم الاهتمام النسبي الأكبر من قبل ترامب بالمنطقة ،والذي أدى لأحداث مهمة تجاه النفوذ الايراني المتنامي تمثلت بالانسحاب من الاتفاق النووي وتطبيق سياسة الضغط الأقصى واغتيال الجنرال سليماني،أقول بالرغم من كل ذلك فأن علينا ان لا ننسى ان ترامب قد سحب قواته من سوريا،وخفض كثيراً من تواجده في العراق وأعلن انه سيسحبها جميعها في النهاية. كما ان علينا ملاحظة ان الميليشيات التابعة لايران في المنطقة والتي اعلنت ادارة ترامب العداء الصريح لها قد زادت عدداً وقوةً ونفوذاً عما كانت عليه قبل ذلك! ولا ننسى أيضاً،موقف ادارته من اسقاط طائرة التجسس الامريكية وكذلك قصف المنشآت النفطية السعودية! أن التحليل العلمي لسياسة امريكا في المنطقة خلال ادارة ترامب يشير بوضوح الى انها اعتمدت ردود الافعال وافتقدت لرؤية وخطة ستراتيجية تجاه المنطقة، عدا استخدام سياسة الضغط القصوى تجاه ايران! مع ذلك فسيترك ترامب ومساعديه،تركةً ثقيلةً لخلَفِهِ سيصعب عليهم تجاوزها وهنا مربط الفرس في مقالي هذا.
أن مما لاشك فيه ان بايدن سيحاول اتباع سياسة مختلفة مع ايران. كما ان مما لاشك فيه ان بايدن سيحاول اعتماد معايير اخرى(عدا المعيار الاقتصادي) في علاقته مع الدول العربية المختلفة ومع تركيا. وستكون الديمقراطية وحقوق الانسان من المعايير التي سنسمع عنها كثيراً في الاربع سنوات المقبلة. لكن في الشأن الايراني وبخاصة الاتفاق النووي،فأن من الصعب تصور كيف سيمكن للطرفين احياء الاتفاق القديم في ظل العوامل الآتية:
1. أن تجربة ايران مع ترامب ستجعلها تطالب الاميركان في اي مفاوضات جديدة بضمانات كبيرة لعدم تكرار نفس السيناريو ومجيء ادارة قد تنسحب مرة أخرى من الاتفاق. ورغم اني لا اعرف ماهية الضمانات المطلوبة لكنها في كل الاحوال ستتطلب من بايدن وادارته العودة للكونغرس ومجلس الشيوخ بالذات لتمرير تلك الضمانات وهذا سيكون اشبه بالمستحيل بخاصة في ظل بقاء سيطرة الجمهوريين على الشيوخ وتقدمهم الكبير في النواب.
2. ان حجم الضرر الذي احدثته كل من امريكا وايران بالاتفاق النووي يجعل من الصعب العودة لذات الشروط القديمة وقد يتطلب الامر سنوات جديدة للتفاوض وابرام اتفاقية جديدة. فمن جهة فرضت أمريكا كثير من العقوبات على ايران وشخصيات مرتبطة بها،وبموجب قوانين مختلفة من ضمنها بل وأهمها قوانين مكافحة الارهاب. وهنا سيكون من الصعب عملياً على أي ادارة جديدة رفع هذه العقوبات(حتى لو ارادت ذلك) دفعة واحدة وستستغرق العملية فترة طويلة وكثير من المماحكات السياسية مع الجمهوريين والاعلام في واشنطن. من ناحية أخرى فأن إيران،وأثناء ردها على العقوبات الأمريكية، استعرضت بشكل مستفز ومخيف مزيد من قوتها غير التقليدية(ميليشيات،صواريخ طويلة المدى،منظومات اسلحة متطورة…الخ). هذا الاستعراض للقوة لم يقلق جيران ايران الأقليميين فحسب بل أقلق إسرائيل واوربا وحتى أمريكا. لذلك فليس من المتوقع ان يكون باستطاعة اي اتفاق نووي جديد ان يتجاوز القلق من هذه القوة غير التقليدية الايرانية مما سيصب مزيد من الزيت على نار المفاوضات المتوقعة ويجعل إطفائها اكثر صعوبة.
3. ان العلاقات الناشئة حديثاً بين إسرائيل وبعض دول المنطقة ستزيد من الضغط على الادارة الاميركية الجديدة كي لا تصل لاتفاق نووي جديد او على الاقل زيادة الشروط التي يجب ان تخضع لها ايران كي يتم ابرام الاتفاق. وهذا ما سيستفز الايرانيين وبخاصة قوى التشدد في طهران وقم ويجعلها تستعيد التأكيد هلى اطروحتها القائلة ان التفاوض مع امريكا والغرب ماهو الا مضيعة للوقت.
أن النتيجة الأخطر على ايران،والتي ستنجم عن عدم القدرة على ابرام اتفاق جديد مع أمريكا هي فقدانها لرافعتها الاوربية والدولية تجاه أمريكا. فمعروف ان اوربا وكل دول العالم الاخرى ساندت ايران في موقفها من الاتفاق تحاه امريكا. هذه المساندة لم تكن بسبب قوة الموقف القانوني لايران فحسب،بل الأهم،ان معظم دول العالم وبخاصة اوربا كانت على خلاف واضح مع ترامب وطروحاته الشعبوية. أما الان فقد بات الموقف مختلفاً تماماً فبايدن يتمتع بمقبولية واسعة من معظم دول العالم ،ويتوقع ان يكون ترميم العلاقات مع اوربا في قمة اولوياته. لذلك فان اوربا لا يتوقع لها ان تقف مع ايران هذه المرة اذا تشددت في شروطها او عارضت الشروط الجديدة للتوصل لاتفاق نووي جديد. ومن هذه الزاوية قد يتفاجأ البعض ان بايدن قد يكون الخيار الأسوأ وليس الأفضل لايران.
بناءً على ذلك فان ليس من المتوقع عملياً حصول تغييرات كبيرة وفورية في العلاقات الامريكية الايرانية ليس بسبب ان السياسة الامريكية تبقى واحدة بغض النظر عن من هو الرئيس كما يروج لذلك بعض غير العارفين بخفايا السياسة الامريكية، وإنما لاسباب عملية تجعل من شبه المستحيل ارجاع عقارب الزمن للخلف،وأحياء العظام وهي رميم.

Leave a Comment

Your email address will not be published.