محنة العتقاء مع فكر الولاء وسيف البراء

محنة العتقاء مع فكر الولاء وسيف البراء

منقذ داغر
على الرغم من أن ممارسات الولاء والبراء تعود للخوارج،الا ان تأصيلها الفكري جاء على يد إبن تيمية وخلَفه عبد الوهاب. وتكاد لا تخلو أي جماعة إسلام سياسي من شكل من إشكال فكرة الجماعة التي ينبغي موالاتها والجماعة التي يجب البراءة منها.وتأخذ مسميات الجماعة الموالية مصطلحات متعددة فتارةً هم أهل الإيمان،وتارةً هم فسطاط الأسلام وثالثة هم الأخوان وغيرها من المسميات والمصطلحات الكثيرة. أما من يتم التبرؤ منهم فهم مرة كفار،وثانية خوارج وثالثة روافض ورابعة نواصب وخامسة منافقين..الخ.
ولعل المشكلة كانت ستكون أقل لو تم حصر هذا الفكر في إطار الجدل الفكري بل وحتى الفقهي،لكنه للأسف كان في كل مرة يتحول الى سلوك سياسي وأجتماعي يتبنى الفلسفة الثنوية. والمفارقة أن كل هذه الجماعات الولائية(من مصطلح الولاء)تدعي مرجعيتها الاسلامية والقرآنية. بالتالي فهي يُفترض أن تعرف أن الله في يوم القيامة قسم الناس لثلاث اصناف وليس صنفين فحسب،فجعل أهل الأعراف بين المؤمنين والكفار. مع ذلك فأن أهل الولاء والبراء جعلوا الناس صنفين فحسب،وأوجبوا التبرؤ من كل من لا يواليهم.
وللأسف،وعلى الرغم من معارضة كثير من علماء وفقهاء المسلمين قديماً وحاضراً لعقيدة الولاء والبراء،وعلى الرغم من محاولات الكثير من منظري الحركات الإسلامية التبرؤ من هذه العقيدة وجعلها ماركة مسجلة بأسم الفكر السلفي حسب،الا ان تطبيقاتها العملية تكاد تكون طاغية في معظم-إن لم يكن جميع-حركات الاسلام السياسي بشقيها السني والشيعي.والطريف في الموضوع أن هذه العقيدة تجد صدى وتطبيقات واضحة لها حتى في الفكر السياسي الغربي (العلماني) وليس الديني فقط.
إن فكرة الولاء والبراء فكرة فلسفية ثنوية ترتكز على مقولة (من ليس معنا فهو ضدنا).هذا ماقاله بوش عندما غزا العراق،وهذا مافعلته الإدارة الأمريكية عندما فرضت العقوبات على إيران،وهذا ما تتبناه أيضاً كل الحركات والقيادات الشعبوية التي ترتكز على فكرة نحن-هم، أنا-الآخر،صديق-عدو،مؤمن-علماني،عراقي-تبعية،مقاوم-عميل،ذيل-جوكر…الخ من الثنائيات ذات اللونين.فأهل الولاء والبراء مصابون بعمى الألوان ولا يستطيعون رؤية ألوان الطيف الشمسي المختلفة والرائعة.هم قد حددوا حياتهم وسلوكهم بخطوط بيضاء وسوداء رسموها وباتوا عاجزين عن تجاوزها،فصاروا كحمير الوحش المخططة.
وإذا كان لداعش من حسنة على العراقيين فأنها أظهرت لهم بالتجربة والبرهان النتائج الكارثية التي تترتب على تبني فلسفة الولاء والبراء. وأختبر كثير ممن كانوا مخدوعين بهذا الفكر الإسلاموي المنحرف بشاعة وإجرام عقيدة الولاء والبراء.مع ذلك فيبدو،للأسف، أننا لم نستفد جميعاً من هذا المثال الكارثي للحكم. لقد شهدت السنوات التي تلت طرد داعش،تصاعداً لفكر الولاء والبراء الإقصائي ولكن على الجانب الآخر هذه المرة. فشهدنا موالاة جماعات سياسية مسلحة لمحور سياسي وفكري معين،وبرائتها من كل من يعارض هذا المحور أو حتى لا يواليه. وأنتشرت ممارسات الأغتيال الجسدي أو الفكري لكل من لا يوالي(الجماعة)المؤمنة الصالحة والطامحة لبناء دولة الأسلام، ويرفض تحول العراق الى منطقة عبور مخططة باللونين الأسود والأبيض يعبر عليها ويدوسها أصحاب هذا الفكر فقط. وشهدت الفترة الأخيرة كثير من حوادث القمع الفكري لأصوات أعلنت إنتقادها أو أختلافها مع جماعات الولاء والبراء المسلحة. فصارت الرصاصة ثمناً للفكرة،والقداحة سوطاً لمن يخرج عن الإمرة،والتكفير وسماً لمن يطالب بالتنوير والثورة.
أن من أسميتهم هنا (بالعتقاء) هم أولئك الذين يرفضون التقلب بين رمضاء الولاء،ونار البراء.إنهم أصحاب القلم والفكر الذي يؤمن بالأختلاف ويتقبله كفطرة فطر الله الناس عليها .هؤلاء يواجهون اليوم(محنة)كالتي واجهت المفكرين الوسطيين والتنويريين والمتحررين عبر التاريخ. وصاروا رهناء محبَسَيْ الولاء والبراء.
إن الفكر الذي يخاف لا يُشبِع،والقلم الذي يرتجف لا يُبدِع،والصوت الذي يرتجف لا يُسمِع. فكيف يمكن بناء بلدٍ يكون الفكر فيه قانع،والقلم فيه خانع،والصوت فيه طائع؟!!

Leave a Comment

Your email address will not be published.