الدخل الاساسي الشامل مدخل لإدارة الثروة النفطية واصلاح نظام الحماية الاجتماعية في العراق

الدخل الاساسي الشامل مدخل لإدارة الثروة النفطية واصلاح نظام الحماية الاجتماعية في العراق

حميد الدانوك

تمهيد :

يعاني العراق من صراعات داخلية وتنافس شديد بين المجموعات المحتفلة للسيطرة على الريع المتولد من الثروة النفطية وعلى الرغم من كون العراق يعتبرا نظام ديمقراطيا بعد عام 2003 وبنظام تمثيلي الا انه وقع في فخ الدولة الريعية فهناك انفصال بين توجهات وقرارات الدولة واراء وهموم المواطنين الممثلة بالفقر والبطالة وغياب الخدمات الاساسية وضعف و رداءة جودة الكثير من الخدمات المقدمة وغياب القانون وسيطرة الاحزاب السياسية على الثروة النفطية واقتسامها فيما بينها , ولم تفلح جهود ومحاولات الحكومات المتعاقبة في معالجة او التخفيف من هذه المشكلات وذلك بسبب وقوعها تحت تأثير الفساد وسيطرة مافيات الفساد التي انشات طبقة طفيلية تعتاش على الريع النفطي وهذه الطبقة ترتبط مباشرة بالطبقة السياسية التي تمثل الوجه الرسمي لهذه المافيات وتضمن لها الغطاء والوصول القانوني الى التخصيصات المالية للدولة ولا يقتصر دور هذه المافيات على السيطرة على موارد البلد وحرمان الفئات الفقيرة من الشعب وانما تقف كقوة ضد أي محاولة اصلاحية من قبل الحكومة لتفكيك هذه الشبكة من المصالح وهذا يجعل العراق يقع في حلقة مفرغة لا يمكنه الخروج منها ابدا .

 وهنا يبرز السؤال عن كيف يمكن كسر هذه الحلقة ؟ وتحقيق استغلال عادل للثروة الطبيعية وتفكيك شبكة المصالح . من اجل الاجابة على هذا التساؤل لابد  في البداية من التعرف  على العامل الذي يجعل من الدولة لا تصغي للمواطنين مهما تظاهروا او احتجوا او حتى عمدوا الى الاضراب الشامل. هذا يعود  الى ان دخل الدولة واموال الموازنة العامة لا تتأتى من جيوب المواطنين “عن طريق الضرائب” وانما تتولد من مبيعات النفط والذي تتولى الدولة ادارته والسيطرة على امواله وهذا الوضع ليس حالة خاصة بالعراق وانما اشكالية تعاني منها كل الدول النفطية في فنزويلا وايران والدول الخليجية ونيجيريا وغيرها . وهذا الوضع يخلق حالة  من ” دكتاتورية الدولة الريعية ” حيث ينشا انفصال بين الدولة ومواطنيها ولا تناقش هذه المقالة الديمقراطية في الدول الريعية اذ تركيزنا ينصب في القسم الاول على تقديم موجز للمبررات النظرية لفكرة الدخل الاساسي الشامل كأداة جديدة في يد السياسات العامة لتحقيق عدة اهداف من اهمها تحقيق العدالة في توزيع الثروة الطبيعية والحد من الفقر, اما القسم الثاني فينصرف الى اعطاء صورة عن الية الممكنة لتطبيق هذه الفكرة في العراق .

 

القسم الاول : المبررات النظرية لفكرة الدخل الشامل :-

الدخل الأساسي الشامل هو مبلغ ثابت من المال تقوم الحكومة بتوزيعه على كل أفراد المجتمع بصرف النظر عن دخولهم أو ظروفهم المادية. ويُعرف الدخل الأساسي الشامل عمومًا بثلاث ميزات أساسية: الشمولية والفردية (individuality)وعدم المشروطية فضلا عن ذلك يعتبر معظم خبراء الدخل الأساسي الشامل (UBI) التوحيد والانتظام والدفع نقدًا والتغطية مدى الحياة (الديمومة) على أنها مميزات لا تقل أهمية عما سبق .

ان الدخل الأساسي في حد ذاته ليس فكرة جديدة ولكنه أصبح معترفًا به بصورة متزايد كبديل واعد للأنظمة شديدة البيروقراطية والمعقدة لنظام الضمان الاجتماعي المستهدف والمشروط للفقراء .

وفي الوقت الحاضر أدخلت ما لا يقل عن( 45 ) دولة متوسطة ومنخفضة الدخل سياسات التحويلات النقدية مع ان هناك تنوعًا كبيرًا في أهدافها وتصميمها، فهي تتراوح بين تحويلات الدخل الخالصة (المعاشات الاجتماعية ومنح الأطفال والتعويضات العائلية وبرامج الحد من الفقر للفقراء المدقعين ) الى برامج التوظيف المضمونة للأشخاص في سن العمل .    

ومن بين أفضل الأمثلة المعروفة لخطط التحويل النقدي البرنامج البرازيلي الذي يطلق عليه منحة الاسرة Bolsa Famili” والذي هو عبارة عن برنامج للتحويلات النقدية الموجهة للأسرة الفقيرة وللاستفادة من هذه المنح يشترط البرنامج على الاسر ابقاء الاطفال في المدرسة وعرضهم بانتظام على نظام الرعاية الصحية.وبرنامج” الفرص المكسيكي “وهو برنامج للتحويلات النقدية للأفراد الذين يعيشون في ظروف فقر مدقع مع التركيز بشكل خاص على تمكين المرأة.وبرنامج ضمان العمالة الريفية الوطنية في الهند وهو”برنامج توظيف عام”.ايضا معاشات الشيخوخة ومنح دعم الطفل في جنوب إفريقيا وهي برامج كبيرة ذات طابع شامل  .

هناك عدد كبير من الدراسات التجريبية التي اثبتت ان التحويلات النقدية نجحت في الحد من الفقر على مدى أطر زمنية قصيرة نسبيًا وتم ذلك بطريقة فعالة من حيث التكلفة وكونها –أي هذه السياسة – نسبيًا أرخص من بدائلها في معالجة مشاكل الفقراء .

ان تطبيق  نظرية الدخل الاساسي الشامل يخلق مجموعة من المزايا Advantages) ) المتوقعة منها :-

  • الحرية والعدالة : إحدى الحجج الأكثر شيوعًا لصالح الدخل الأساسي الشامل خاصةً من منظور ليبرالي محافظ (conservative-libertarian) هي قضية الحرية. وذلك لأنه يفترض أن بعض الأنشطة الاقتصادية تستحق دعمًا للدخل أكثر من غيرها فمن المتوقع أن يعزز الدخل الأساسي الشامل “الحرية الحقيقية” من خلال تخفيف القيود المادية على قرارات الأشخاص وتوسيع نطاق الخيارات المتاحة لهم . كواحد من أوائل مؤيدي UBI  افترض فروم (1966) أن الدخل الأساسي من شأنه أن يؤدي إلى التحول من سيكولوجية الندرة إلى سيكولوجية الوفرة التي يمكن أن تحسن التماسك الاجتماعي لأنها تنتج المبادرة والإيمان بالحياة والتضامن.

يمكن أن يمنح الدخل الأساسي الشامل للناس أيضًا إحساسًا أكبر بالقوة على مدى حياتهم من خلال مجموعة متنوعة من الآليات: أولاً  اذ يمكن أن يحفز ضمان الدخل الناس على اتخاذ خيارات عمل ذات مغزى و لا تكون مدفوعة بالاحتياجات المالية فحسب  بل وأيضاً بسبب التقارب والاهتمام. ثانيًا  يمكن أن يحسن رفاهية الناس من خلال جعلهم أكثر استقلالية عن السياسات القسرية والعقابية التي يمكن أن تؤثر سلبًا على صحتهم النفسية.و يعتقد مؤيدو الدخل الأساسي الشامل أن الدخل الأساسي سيساعد في معالجة مخاوف العدالة حيث يجب أن يكون لكل فرد في المجتمع الحق في الحد الأدنى من الدخل والحياة الجيدة  .

  • الحد من الفقر: حجة أساسية أخرى لدعم الدخل الأساسي الشامل هي أنه يمكن أن يساعد في القضاء على الفقر بغض النظر عن أسباب الفقر في الواقع.وبما انه تم تحديد الدخل الأساسي فوق خط الفقر ، فيجب أن يؤدي نظريًا إلى القضاء التام على الفقر المطلق. ولكن جيمس توبين (1966) يرى ان الدخل الأساسي يساعد في علاج أعراض الفقر بدلاً من أسبابه .

ومع ذلك ، فبالنسبة للأفراد الذين يعيشون في فقر مدقع  فإن الدخل الأساسي من شأنه أن يوفر الإغاثة المادية وبالتالي الإسهام في تلبية احتياجاتهم الأساسية. ففي حالة الأسر  يمنح برنامج الدخل الأساسي الشامل للآباء القدرة على الاستثمار في رأس المال البشري لأطفالهم. ومن شأن هذا الاستثمار أن يساعد في كسر الحلقة المفرغة للفقر الذي وقعوا فيه ، ولا سيما الفقر المتوارث بين الأجيال .

  • حل للرفاهية فاعل اقتصاديًا : لطالما نوقشت الآثار التحفيزية لسياسات الرفاهية في الأدبيات. ومع ذلك نظرًا لأن الدخل الأساسي الشامل لا ينبغي أن ينتج عنه أي آثار للإحلال فقد يكون تأثيره المشوه المحتمل على الاقتصاد متواضعًا نسبيًا مقارنة ببرامج الرفاهية الأخرى مثل برامج المزايا التي تنقطع أو تتوقف عند حد دخل معين أو حالة توظيف معينة. يمكن لبرامج الرفاهية الحالية أن تقلل من حوافز الناس للعثور على وظيفة (أو وظيفة بأجر أفضل) لتعزيز حياتهم المهنية وقد يكون لها تأثير غير مرغوب فيه على توليد سلوكيات خطرة من الناحية الأخلاقية.

كما يمكن لإجراءات الرفاهية التقليدية أن تساهم في زيادة تصلب أسواق العمل.على سبيل المثال و كما تنبأ علم الاقتصاد الكلاسيكي الجديد قد تؤدي الزيادة في الحد الأدنى للأجور إلى انخفاض في مستويات التوظيف اذ قد يدفع هذا الشركات نحو المزيد من أساليب الإنتاج الموفرة للعمالة فحسب ، بل قد يزيد أيضًا من حدوث حالات الركود وشدتها. الميزة النظرية لــــ UBI مقارنة بنموذج الحد الأدنى للأجور هي أنه لا ينبغي أن يؤثر على الطلب على العمالة ، وبما أن العمال لا يعتمدون كليًا على أجورهم من أجل البقاء ، فقد يساعد ذلك في ضمان درجة أكبر من مرونة سوق العمل وبالتالي يمكن أن يساعد الدخل الأساسي الشامل في إعادة هندسة نظام الرفاهية وجعله أكثر كفاءة في نفس الوقت .

– تعزيز المساواة بين الجنسين : نشأت بعض الحجج المؤيدة لـ UBI من الأدب النسوي خصوصا.فغالبًا ما يتم تقديم الادعاء بأن الدخل الأساسي قد يحول القوة الشرائية نحو الأشخاص الذين يؤدون العمل المنزلي – أو أي عمل آخر لا يتم مكافأته ماليًا. نظرًا لأن النساء يؤدين غالبية الأعمال غير مدفوعة الأجر ، لا سيما في المنزل ، فإن هذا من شأنه أن يؤدي إلى تحسين وضع المرأة التفاوضي في الأسرة ومن شأنه أن يعزز انخفاض عدم المساواة بين الجنسين .

-الحد من عدم المساواة في الدخل : تتعلق الحجج الأحدث التي قدمها مؤيدو الدخل الأساسي الشامل ، كما ذكرت أعلاه ، بالوظائف وعدم المساواة في الدخل الناتج عن التغيرات التكنولوجية المتسارعة ، مثل الرقمنة والأتمتة.وبالتالي تكون سياسة الدخل الأساسي حل لحماية الناس من فقدان الوظائف الناجم عن التكنولوجيا .كما يمكن أن تكون العلاقة عكسية أيضًا،حيث يساعد الدخل الأساسي الشامل على تقليل المقاومة العامة للابتكار التكنولوجي من خلال توفير الأمن الأساسي للحياة .

-حجج ما بعد الإنتاجية : كما دعمت فكرة الدخل الأساسي من قبل العديد من منظري ما بعد الإنتاجية.فهم يرون أنه مع التغيير المجتمعي والتكنولوجي  يجب ألا يكون العمل المدفوع الأجر والإنتاج محوريين في المجتمع بعد الآن. بالإضافة إلى انه لم تعد نماذج الرفاهية القائمة على الهياكل الاقتصادية وأسواق العمل القديمة ذات صلة اليوم حيث أصبح التوظيف ونمط الحياة وأنماط الأسرة أكثر مرونة  .

-الاقتصاد السياسي والشفافية : يقدم الكتاب في الاقتصاد السياسي حججًا إضافية لصالح تنفيذ سياسة الدخل الأساسي و نظرًا لكونه شاملاً فمن المتوقع أن يكون الدخل الأساسي الشامل أقل عرضة للإساءة البيروقراطية والفساد مقارنة بسياسات الرفاهية الأخرى حيث توجد عادة مجموعة من مجموعات المصالح التي تؤثر على تخصيص المنافع وتنفيذها.

القسم الثاني: اليات تطبيق الدخل الاساسي الشامل في العراق :-

يمكن تطبيق فكرة الدخل الاساسي الشامل في العراق عبر تحويل تخصيصات الموازنة العامة الى “دخل اساسي شامل” يوزع على المواطنين وفقا لسجلات البطاقة التموينية أذ يمكن لهذا الاجراء ان يقلب معادلة الدولة الريعية . ويتم تمويل الموازنة عن طريق الضرائب التي تفرض على المواطنين. ومن هذا المنطلق فإن المزايدات الشعبوية في تحميل الموازنة أعباء المزايدات النيابية، والفساد التنفيذي تنقلب إلى حرص على تقليص الموازنة ومحاسبة السلطة التنفيذية من منطلق (لا ضريبة دون تمثيل ومراقبة)

 (no taxation without representation)                      

ويمكن تقديم خطوط عريضة لألية تطبيق فكرة الدخل الاساسي الشامل في العراق من خلال :-

  • ان يتم بيع النفط الخام إلى الاستهلاك الداخلي بسعر السوق الخارجي بعد خصم معين.
  • إيقاف تخصيصات البطاقة التموينية والضمانات الاجتماعية وتحويلها إلى حصة الدخل الأساسي الشامل.
  • إزالة تخصيصات الكهرباء من الموازنة ابتداء من العام الحالي 2020 ودفع قطاع الكهرباء للتمويل الذاتي (مع توفير الغاز بالكلفة).
  • تجميد تخصيصات النفط للموازنات اللاحقة وتحويل كل زيادة في السعر والانتاج إلى احتياطي صندوق الاجيال (صندوق سيادي) وتنمية الدخل الأساسي الشامل (U.B.I.) وربطه مستقبلاً بإيرادات النفط خارج الموازنة.

الخلاصة ( الاثار المحتملة )

ان الاهداف النهائية او الانجازات التي من المرجح ان يحققها تطبيق مثل هذه السياسات هي القضاء على الفقر والبطالة وازالة الطبقة الطفيلية التي تسيطر على الريع النفطي وتعيق اي مشرع اصلاحي على مستوى مؤسسات الدولة او سياساتها العامة.ان ضمان دخل اساسي شامل لكل فرد يمكن ان يدفع الافراد لاسيما فئة الشباب الخريجين الى بدء مشاريعهم الخاصة والانصراف الى المجالات التي يرغبون العمل فيها مما ينتج عنه انتشار وتوسع ريادة الاعمال في الاقتصاد العراقي مما يخلق تنوعا اقتصاديا يتحقق بدون الحاجة  لخطة مركزية مع ضمان الحرية الفردية. كما ويجب ان تحظى حقوق الملكية بأقصى درجات الالتزام والضمان من قبل الدولة مما يهيأ بيئة ومناخ ملائم لنشوء اقتصاد سوق حقيقي قائم على قطاع خاص منتج وليس مستورد للبضائع.ايضا ان تفكك شبكة المصالح المرتبطة بالطبقة السياسية والتي تعتاش على الثروة النفطية يمكن ان يصب في مصلحة اصلاح مؤسسي شامل وحقيقي لمؤسسات الدولة العراقية ويحسن من مؤشرات الحكم الرشيد. واخيراً ، فأن انصراف الأفراد للأنشطة الانتاجية يمكن ان يعيد تخصيص الموارد في الاقتصاد ككل  نحو الانتاج الحقيقي بدلا من توجيه الموارد نحو البحث عن الريع Rent-seeking .

المصادر ذات الصلة  :-

  • عدنان الجنابي: الإصلاح المالي للعراق: رؤية للأعوام 2018-2020 , شبكة الاقتصاديين العراقيين

http://iraqieconomists.net/ar/2017/08/07/%D8%B9%D8%AF%D9%86%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%86%D8%A7%D8%A8%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D8%B1/

 

  • منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة(2012) برنامج القضاء على الجوع التجربة البرازيلية , روما –ايطاليا .

http://www.fao.org/docrep/017/ap339a/ap339a.pdf

  • Maitreesh Ghatak & François Maniquet (2019) Universal Basic Income Some Theoretical Aspects ,  Annual Review of Economics

https://www.annualreviews.org/doi/abs/10.1146/annurev-economics-080218-030220

3-UNDP China Office(2017) Universal Basic Income: A Policy Option for China beyond 2020? A Working Paper.

https://www.undp.org/content/dam/china/docs/Publications/UNDP-CH-Universal%20Basic%20Income%20A%20Working%20Paper.pdf

  • Johanna Perkiö(2014) Universal Basic Income – A New Tool for Development Policy?, International Solidarity Work.

https://www.researchgate.net/publication/260763224_Universal_Basic_Income_-_A_New_Tool_for_Development_Policy

Leave a Comment

Your email address will not be published.