ليس ما يحدث بنفس سوء 1968

ليس ما يحدث بنفس سوء 1968

تلخيص وتعليق منقذ داغر

نشرت مجلة Politico  الأمريكية مقالاً مهماً يوم أمس عن الأحداث الجارية في أمريكا ، ارتأيت ترجمته وتلخيصه للفائدة .

لا تبدو الأمور حتى الآن بنفس السوء الذي كانت عليه المظاهرات التي عمت أمريكا عام 1968 رغم أن مؤرخاً معروفاً مثل زيلايزرقال في CNN  (( أن من الصعب عدم الشعور ان ما يحصل هو سيناريو مكرر لـ 1968 . بل أنه يمكن أن يكون حتى أسوأ)) . في حين أن باحثاً في مجلس الاتلانتك مثل جيمس فالوز الذي طالما جادل أن عام 1968 كان أكثر عاماً صادماً في التاريخ الأمريكي ، صار يقول الآن ( أن العنف الذي تشهده أمريكا حالياً والذي ترافق مع جائحة كورونا والكساد الاقتصادي مرشحاً لأن يكون أسوأ بخاصة وأن هناك أمامنا سبعة أشهر لنهاية السنة ) .

أوجه الشبه بين ما يحدث الآن وعقد الستينات لا يمكن انكارها مع الاغلاق الذي رافق كورونا والعودة القسرية ( وليست التدريجية ) للحياة نتيجة هذه المظاهرات ، ومع جو التشاؤم السائد الآن صار يصعب عدم المقارنة مع أسوأ سنة شهدها التاريخ الأمريكي 1968. مع ذلك ينبغي الحذر في هذه المقارنة لأننا الآن أفضل بكثير من 1968 .

ففي منتصف 1968 كان هناك 40 جندياً أمريكياً يقتلون يومياً في حرب فيتنام التي ليست كحرب الكورونا. وكانت 1968 هي الأسوأ من حيث الخسائر في الحرب الفيتنامية. وقد دفع ذلك طلاب الجامعات آنذاك في كل أمريكا للتظاهر بحيث احتلوا الحرم الجامعي في كثير من الجامعات وتم تعطيل الدراسة والغاءها. وكما زاد في حدة الوضع هو الاغتيال المزدوج مارتن لوثر كينغ في 4 نيسان وروبرت كندي في 6 حزيران من نفس السنة.

وقد أدى اغتيال الداعية مارتن لوثر كينغ إلى أعمال شغب في مئات المدن الأمريكية قادت إلى حرق 1000 بناية في العاصمة واشنطن لوحدها وشهدت شيكاغو حوادث أسوأ.

وقد سبق ذلك عدد من سنوات التظاهرات المطالبة بالحقوق المدنية. وكان نيكسون المثير للجدل في أسوأ سنيين حكمه آنذاك . ونيكسون لم يكن أقل من ترامب عنصرية واثارة للجدل وهو يستخدم مصطلح (الأغلبية الصامتة) للتعبير عما كان يقول أنهم الأمريكان الرافضيين للفوضى التي تعم المدن الأمريكية والتي تسيء لسمعة أمريكا كونها الدولة الأعظم. كما شهدت سنة 1968 وضعاً اقتصادياً ومالياً سيئاً بعد سنوات النمو التي أعقبت الحرب الثانية.

أما اليوم و برغم تنامي معدلات البطالة و سوء إدارة هذا الملف و معالجته التي تشجع العاطلين عن العمل مما أدى إلى زيادة عدد العاطلين الذين يستلمون إعانات من الدولة إلى 40 مليون، إلا أن توزيع الثروة اليوم أفضل من الستينات و مستوى المعيشة اليوم للفقراء أفضل بكثير من الستينات و هذا يشمل إطعام و إسكان و تعليم و صحة الفئات الأشد فقراً. نعم لا زالت هذه الفئات تعاني لكنها أفضل بكثير من 1968. كما أن طريقة تعامل الشرطة مع الإحتجاجات اليوم أفضل بكثير من طريقتهم في الستينات حيث كانوا يستخدمون عنفاً مفرطاً. و قد تعلمت الشرطة دروساً كثيرة من المدن التي اندلعت فيها أعمال عنف عامي 2014، 2015.

و رغم إن الممارسات العنصرية من السود مازالت موجودة لكنها أقل بكثير من 1968 فضلاً عن أن  كل هذه الممارسات العنصرية و انتهاكات الشرطة لحقوق المتظاهرين باتت موثقة الأن بعكس 1968.

نعم، فإن الرئيس ترامب يُعيد نفس الخطاب التحريضي لينكسون،  بخاصة في تغريدته عن السرقات و إطلاق النار على المتظاهرين لكنه لن يستطيع الوصول إلى مديات التحريض التي كانت سائدة آنذاك و لن يستطيع جعل عشرات ملايين السود يصبحوا مواطني درجة ثانية مرة اخرى.

تجربة 1968 (توضح ان ما يحدث ليس جديدا)وتعطينا الأمل أن النظام الفاسد يُمكن تغييره و يمكن محو العنصرية و أن الحروب غير العادلة يمكن إنهائها و أن السياسيين السييئين يمكن إزاحتهم بالانتخابات. و قد أشار لذلك حاكم كاليفورنيا السابق و النجم السينمائي آرنولد عندما تذكر كيف أنه هاجر لأمريكا عام 1968 ( التي توصف بالسنة السوداء) لكنه كان يأمل كثيرا في هذا البلد العظيم فأصبح فيما بعد واحداً من قادة البلد فعلا. و يقول أنه على الرغم من أن أمريكا أغلقت أبوابها بوجه المهاجرين عام 2020، لكن الأمل و الوقائع تُشير أن ما يحصل أفضل بكثير من عام 1968. فعدد المهاجرين الذين تم قبولهم العام الماضي و تحت رئاسة ترامب أكبر بكثير مما كان يحصل في الستينات.

لكن في ظل الظروف الحالية فإن المشاعر أهم من الأرقام و لذلك يشعر الكثيرون الأن أن الأمور أسوء، لكن الانتخابات النصفية عام 2018 اوضحت ايضا أن كثير من الأمريكان ما زالوا يؤمنون أن التغيير يمكن أن يحصل من خلال الانتخابات.

الحمد لله أن الأمل لا يحتاج إلى أفعال ناس اخرين و لا يكلف أموال لصنعه. ورغم انه لا يتسطيع أحد أن يتنبأ عن مدى السوء الذي يمكن أن يحصل خلال الأشهر القادمة لكن القضية لم تنتهي بعد في حين أنها انتهت بالنسبة لعام 1968. فما زلنا قادرون على كتابة نهاية القضية بأنفسنا.

 

التعليق

هذه المقالة تأتي في سياق محاولات بث روح الأمل بالتغيير عن الأمريكان و مقاومة حالة الاستقطاب و اليأس التي يثيرها ترامب و التي قد تفيده بالانتخابات القادمة كونه يعتمد على قاعدته الشعبوية الثاتبة و هو ما يعطيه أرجحية على منافسيه في حال نجح في إشاعة الذعر بين الأمريكان.

لاحظوا أن الشعبوبيين في كل مكان (و حتى عندنا في العراق)يستفيدون كثيرامن أجواء عدم التأكد والخوف لتعميق الاستقطابات الفئوية داخل الشعب كي يسهل عليهم الفوز بالانتخابات أو السيطرة على المجموع أو استخدام العنف.

رابط المقال

 

Leave a Comment

Your email address will not be published.