الجائحة والنظام السياسي،تحتاج لدولة

الجائحة والنظام السياسي،تحتاج لدولة

د.فرانسز فوكوياما
The Pandemic and Political Order,it takes a state
مجلة فورن أفيرز،تموز-آب٢٠٢٠
تلخيص وتعليق منقذ داغر
الخلاصة والتعليق
في هذه المقالة لصاحب نظرية نهاية التاريخ(التي انتقدها هو)يحاول فوكوياما التنبؤ بآثار جائحة كورونا على مستقبل السياسة. وبرغم توقعاته التي تميل للتشاؤم بسبب الوقت الطويل الذي ستستغرقه عملية التعافي الا أنه ترك أملاً في أن تؤدي الجائحة الى آثار إيجابية.فكما أدت أزمة الكساد الكبير في ثلاثينات القرن الماضي الى صعود الفاشية والأنعزالية،فأنها أدت في النهاية للنظام الليبرالي العالمي الذي نشأ بعد الحرب ع الثانية. ومع إقراره أن السلطة الدولية ستستمر بالتحول نحو الشرق نتيجة نجاح الصين ودول الشرق الاقصى بالتعامل مع الجائحة غير أنه يعتقد أن هذا النجاح نسبي وغير حاسم. وكمدافع قوي عن الليبرالية الديمقراطية فهو لا زال كما يبدو مؤمناً بقدرتها على التكيف والتطور والنجاح. لكن ذلك مرهون بنجاح الديمقراطية بالتعلم مما جرى.لذا فهو ترك الباب مفتوحاً لأحتمالات فشل الدول والقادة غير الديمقراطيين في النهاية، كروسيا والبرازيل. كما ينتقد فوكوياما ترامب والقادة الشعبويين بشدة لأنهم وصلوا للسلطة من خلال تقسيم المجتمعات وتقويض مؤسسات الدولة في حين أن أهم ما تحتاجه الدول الآن هو مؤسسات حكومية قوية وقادة قادرين على إشاعة التضامن وتوحيد الشعب.وكمدافع عن أهمية دور الدولة ومنتقد لليبرالية المتطرفة فهو يشدد على بروز أهمية دور الدولة وبيروقراطيتها في التغلب على الجائحة(مثلما حصل في كوريا ج والمانيا) وعلى القادة الذين يوحدون المجتمع وعلى التضامن الأجتماعي. وأستناداً الى بحث لي مع مجموعة من الباحثين الأميركان استعرضنا في طرق تعامل الدول مع الجائحة في مختلف أنحاء العالم توصلنا الى أن التفاعل بين مؤسسات الدولة وبين ثقافة المجتمع وتماسكه كان العامل الاكثر حسما في التغلب على اثار الجائحة. أخيراً فأن فوكوياما زاد هنا من جرعة أنتقاده لإدارة ترامب الذي يعتبره أسوأ رئيس في تاريخ أمريكا الحديث.
إن ماورد في المقال يؤكد أن الدول التي تسود فيها الحركات الشعبوية التي تقوم على فكرة تقويض الدولة كونها فاسدة وغير كفوءة، وتلك التي تقوم على كراهية الآخر ستكون الأسوأ في التعامل مع آثار الجائحة. والعراق لن يشذ عن هذه القاعدة! فالأزمات لا تحتاج فقط الى قيادة قوية بل أهم من ذلك الى دولة قوية تستطيع التعامل معها وشعب موحد يستطيع مجابهتها. والستراتيجية الشعبوية والحركات الدينية والقومية المتطرفة تقوم أولا على كراهية الآخر(او على الأقل عدم مساواته) وعلى عُلويتها على مؤسسات الدولة. لذا فإن هذه الحركات قد تتمكن من إستغلال ظروف الجائحة لتقوية خطابها المتطرف، غير أنها في النهاية ستفشل في التعامل مع الأزمة وستغرق مع من تقودهم لاحقاً.
ملخص المقال
-أدى الكساد العظيم في ثلاثينات القرن الماضي لصعود حركات مثل الفاشية والقومية والأنعزالية،والى الحرب ع٢،فأنها أدت أيضاً الى ظهور النظام العالمي وبروز أميركا كقوة عظمى وأنحسار الأستعمار.
كما أدت هجمات سبتمبر الى حربين فاشلتين في العراق وافغانستان،وصعود أشكال جديدة من الأصولية الإسلامية،وأدت الأزمة المالية ٢٠٠٨ الى صعود الحركات الشعبوية المناهضة للمؤسسات القائمة.
-التداعيات الحالية لكورونا ستفرض تحدياً معرفياً للاتجاهات المستقبلية.وكلما عرفنا أكثر عن الڤيروس كلما شعرنا أنه يصعب التنبؤ بمستقبل العالم.ولن تكون هناك لحظة قريبة لأعلان النصر على الجائحة.ولا يمكن توقع تعافي أقتصادي سريع(نموذجV)بل غالباً سيأخذ شكل نموذج L الذي يعني تعافي بطيء.
-أقتصادياً فسيمكن فقط للشركات الكبرى أن تتجاوز الأزمة.لكن التداعيات السياسية قد تكون أكبر.فسيستمر إنتقال هيكل السلطة العالمي بأتجاه الشرق كون اداء دول شرق آسيا كان أفضل في التعامل مع الجائحة بالرغم من أن الصين أخفت الوباء إبتداء وساعدت بذلك على أنتشاره. ويمكن القول أن الصين ستتمكن(نسبياً) من الاستفادة من الجائحة.في حين تعاملت أمريكا بشكل سيء مع الجائحة رغم إمكانات أمريكا الهائلة وسجلها الرائع في التعامل مع الاوبئة لكن الأنقسام السياسي وسوء القيادة منع الدولة من التعامل بفاعلية مع الجائحة.وهذا قد يؤدي الى تآكل(نسبي)في تأثير أمريكا والنظام الليبرالي العالمي. لكنه قد يؤدي أيضاً الى عودة الحياة للديمقراطية الليبرالية،وهو النظام الذي رغم مواجهته لشكوك كثيرة في الماضي،إلا أنه أظهر قدرة كبيرة على البقاء والتكيف.
-للأسف فأن الصورة المستقبلية لا تبدو جيدة.فالأنعزالية والقومية والخوف من الآخر والهجمات على نظام العالم الليبرالي كانت في تزايد منذ سنوات وسيزداد ذلك بالجائحة.وقد إستغلت حكومات تسلطية مثل الفلبين وهنغاريا الظرف لفرض حالة طوارىء وزيادة سلطاتها،ودول أخرى مثل الصين والسلفادور وأوغندا قامت بنفس الشيء.وبدلا من أن تلجأ الدول للتعاون تراجعت نحو الانعزال.
-ستزداد الحركات القومية وربما يرى بعض القوميين في الحروب مع الاخرين هروبا من الأزمة.وستعاني المدن المكتضة وذات النظم الصحية السيئة بشدة. وكثير من الحكومات كاهند مثلاً زادت الأمور سوءاً بأجراءاتها غير المدروسة.
-وستظهر وتنشط أكثر،نتيجة الضغوط الاقتصادية والأجتماعية والسياسية، الحركات الفاشية والدينية المتطرفة كما ستزدهر نظرية المؤامرة بعد ان كانت محصورة في الشرق الاوسط حسب.
-مع هذا وكما أن أزمة الكساد العظيم لم تؤدي فقط لصعود الفاشية بل أيضاً الديمقراطية الليبرالية ،فأن الجائحة قد تكون لها آثار إيجابية.فحقيقة ان التعامل مع الجائحة يتطلب سيادة المهنية والاحتراف والخبرة،فأن ذلك قد يؤدي في النهاية الى أختيار القيادات الكفوءة ومكافأة الحكومات والقادة الدين تعاملوا بمهنية مع الجائحة.وبذلك ستقل حظوظ قادة مثل البرازيلي بولسنارو،والروسي بوتين والأمريكي ترامب.
-كما أظهرت الجائحة أهمية التضامن بين الناس،وأهمية التدخل الحكومي لإعانة المتضررين والسيطرة على الوباء منا يدحض توجهات مدرسة شيكاغو الأقتصادية التي تؤكد على الليبرالية الأقتصادية المطلقة وتقليص دور الدولة.وسيكون من الصعب مستقبلا تقبل مقولة الرئيس السابق ريغان عندما افتتح ولايته بالقول (أن الحكومة ليست هي الحل،بل هي المشكلة)!
-مع ذلك يجب عدم رفع سقف التوقعات. فالحكومات التي تتمتع بشرعية وقدرة جيدة ستتمكن من الخروج بأقل الأضرار وهذه للاسف دول قليلة، أما الغالبية فستواجه مشاكل جدية.
-ولكي تستطيع الدول تجاوز الأزمة ستحتاج الى أكثر من الكفاءة وتوفر الموارد،بل إجماع مجتمعي وقادة كفوءين قادرين على إستعادة ثقة المجتمع.هذا ما فعلته كوريا ج والمانيا اللتان أوكلتا الأمور لبيروقراطيتهما الكفوءة.
-سبب آخر للتشاؤم هو ان تجاوز الأزمة يحتاج الى حوار مجتمعي عقلاني وقدرة على التعلم.هذا يتطلب تقارب بين التكنوقراط وصناع السياسة لكن هذه العلاقة هي للأسف أضعف مايكون الآن.
-أكبر موضوع يواجه أمريكا الآن هو انها أبتُليت بأكثر رئيس غير كفوء في تاريخها المعاصر خلال هذه الأزمة. رئيس قسّم البلاد وأضعف الدولة بشدة قبل الأزمة في حين أحتاج لدولة موحدة وقوية أثناء الأزمة.وأذا أعيد انتخابه فأن أحتمالات أزدهار الديمقراطية أو النظام العالمي الليبرالي ستتضاءل،أما إذا أنتخب الديمقراطيون (سواء للرئاسة أو لمجلسي الكونغرس)‏ما بشغلها بعد اكتبفأنهم سيستلمون أركام دولة،ولا يتوقع لها ان تتعافى مما أصابها قريباً.
-أخيراً،ومع ‏أن أسوأ مرحلة في هذه الجائحة قد عدت الا أن العالم سيشهد ركودا طويلاً مع أنه يتوقع لبعض الدول أن تتعافى أسرع من الأخرى. ولا يتوقع حصول توترات دولية عنيفة.كما أن الديمقراطية والرأسمالية وأميركا أثبتت كلها قدرتها في الماضي على التكيف والتعديل وستتمكن من ذلك الآن إذا وعت الدرس.

Leave a Comment

Your email address will not be published.