سياسة الإدارة الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط.

سياسة الإدارة الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط.

قراءة في مقال (الفرصة الأمريكية في الشرق الأوسط)
Foreign Affairs , May 22,2020
American`s Opportunity in the ME
Daniel Benaim , Jake Sullivan
تحليل وترجمة منقذ داغر : باحث غير مقيم في مركز الدراسات الستراتيجية الدولية بواشنطن.

تأتي أهمية هذا المقال من حقيقتين : أولهما أنه يناقش ما ينبغي أن تكون عليه سياسة أمريكا في الشرق الأوسط مستقبلاً وهو موضوع لا زال غير واضح للكثيرين ، والثانية أن أحد كتابه هو جاك سوليفان الذي أصبح مستشاراً للأمن القومي في إدارة بايدن مع كل ما يحمله هذا المنصب من أهمية لدول الشرق الأوسط عموماً والعراق الخاصة،والثاني هو واحد من كبار الباحثين المقربين من خط بايدن.
*ملخص تحليلي :
يعد هذا المقال من أوضح ما يمكن الاسترشاد به لمعرفة السياسة الأمريكية المتوقعة في المنطقة. هذه السياسة كما يبدو ستأخذ منحنى جديد هو خليط بين المنهج الإنسحابي لأوباما وترامب ، والمنهج التدخلي التقليدي للسياسة الأمريكية والقائم على التدخل المفرط المؤدي الى تغيير الانظمة. السياسة القادمة ليست فقط براغماتية وواقعية بل ايضاً غير مفرطة بالتوقعات ولا مفرّطة بالفرص المتاحة :
1. يؤكد المقال أهمية منطقة الشرق الأوسط للإدارة الجديدة وينتقد المدخل التهميشي لاهمية المنطقة والذي تنامى في واشنطن مؤخراً.
2. ينتقد المقال السياستين الأوبامية والترامبية في المنطقة. مع ذلك فهو ينتقد بشكل أكبر السياسة الترامبية التي تحولت إلى بازار سياسي عسكري أدى إلى نتائج معاكسة لما كانت تعلنه إدارة ترامب.
3. يؤكد المقال بشكل لا لبس فيه أن الاولوية الملحة للسياسة الأمريكية ستكون العودة إلى الإتفاق النووي. لذا نتوقع عودة نشطة للاتصالات الدبلوماسية بين امريكا وايران قريباً.ومع التأكيد على أولوية هذا الإتفاق بالنسبة للامن القومي الاميركي فأنه يجب ان لا يربط بضرورة التوصل الى اتفاق شامل وترتيبات اقليمية في المنطقة.
4. مع ذلك فأن السياسة الاميركية لن تغفل او تقلل من الخطر الذي تشكله انشطة ايران المزعزعة للاستقرار في المنطقة.أهمية القلق الأمريكي وقلق دول المنطقة من النشاطات الإيرانية المزعزعة للاستقرار في المنطقة.
5. يبدو أن الإدارة الأمريكية الجديدة ستسير بخطين متوازيين ، يتمثل الأول باستئناف المباحثات النووية مع إيران ، وبالتعاون مع دول (1+5) ويتمثل الثاني بإطلاق مبادرة إقليمية تستهدف إلى خفض التوترات (وليس إنهائها) في المنطقة. لكن لن يكون هناك ربط (على الأرجح) بين المسارين.
6. ستستثمر أمريكا القلق الخليجي وقضية خاشوقجي والعقوبات الإيرانية ووضع إيران الداخلي المتدهور للضغط على كل الأطراف وإجبارهم على تقديم تنازلات لغرض الوصول إلى تسويات مقبولة تضمن إنهاء حرب اليمن وتقليل نشاطات إيران المزعزعة للأمن في كل المنطقة.
7. لن يكون هناك انسحاب عسكري أمريكي كامل من المنطقة. ورغم عدم إشارة المقال لوضع الجيش الأمريكي في العراق لكني لا أتوقع أن يتم إنهاءه تماماً.
8. ستشهد المنطقة خلال السنوات الأربع القادمة نشاطاً دبلوماسياً أمريكياً وإنخراطاً في مبادرات وترتيبات فردية وجماعية. تضمن المصالح الاميركية من جهة وتهدىء من التوترات في المنطقة من جهة اخرى.
9. كان لافتاً ان المقال يلفت النظر في نهايته الى ان من السذاجة استبعاد فكرة ان امريكا قد تضطر في النهاية للدخول بحرب مع ايران.

*ترجمة ملخصة للمقال :
*يبدأ المقال بإنتقاد ما أسماه الإتجاه التهميشي للشرق الأوسط M.E.Minimalis والذي ظل يتنامى داخل آخر إدارتين وساد بشكل واضح خلال إدارة ترامب الذي ظل يردد مقولة ” إنهاء الحروب التي لا تنتهي ” .ويقدم الكاتبان مدخلاً سياسياً بديلاً للتعامل مع الشرق الأوسط يقوم على أن ( تقليل تواجد أمريكا في الشرق الأوسط يتطلب إحداث توازن حرج من خلال تقليص التواجد العسكري دون خلق عدم إستقرار ، وفي نفس الوقت الحفاظ على ردع ونفوذ كافيين لتحقيق المصالح الأمريكية ) .
*ينتقد الكاتبان مدخل ترامب للتعامل مع المنطقة الذي تأسس على منطق متناقض يقوم على الإنسحاب من المنطقة والتعامل بشدة مع إيران. فكانت النتيجة عبارة عن (بازار) من خليط سيء لنشاط عسكري محموم وإهمال دبلوماسي كبير أعطى للأطراف في المنطقة صك على بياض للقيام بسلوكيات معرقلة للاستقرار جعلت كل المنطقة على حافة الحرب.

*السياسة البديلة يجب أن تكون خليطاً من طموحات أقل مما كانت تتبناه السياسة التقليدية الأمريكية وهي إعادة تشكيل الشعوب من الداخل ، وسياسة أكثر طموحاً تتضمن استخدام الدبلوماسية والروافع الأخرى لمنع التصعيد في التوترات وصولاً لتسويات رضائية بين الفاعلين الإقليميين في المنطقة. يجب التحول من الطريقة التقليدية باستخدام القوة العسكرية إلى استخدام القوة الدبلوماسية في الشرق الأوسط لتحقيق المصالح الأمريكية.
*على الرغم من أهمية الملف النووي مع إيران ، إلا أن سياسة أمريكا في الشرق الأوسط ينبغي أن تركز أيضاً دفع الأطراف للدخول في حوار إقليمي يهدف الى نزع التوترات ومعالجة عدم الثقة وذلك بمساعدة كل أطراف مجلس الأمن الدولي أيضاً.
*إن أكبر قوتين في المنطقة هي إيران والسعودية واللذان سيعانيان كثيراً في عام 2021 نتيجة إنخفاض أسعار النفط والجائحة. ويمكن للبلدين (وبخاصة إذا تحسنت الظروف الصحية) أن يبدأ خطوات تطبيعية باستثمار الحج للسعودية وكذلك زيارة الشيعة السعوديين لإيران.
*وهذا قد يكون فيما بعد لتوسيع نطاق التعاون والمحادثات بينهما ليشمل اليمن وسوريا والبحرين وقد تكون الخطوة اللاحقة هي إقناع إيران لوقف نشر تنكولوجيا صورايخها إلى أتباعها في المنطقة. وعلى الرغم من أن الوصول إلى هذه الأهداف قد لا يبدو ممكناً ، لكن حتى الفشل في بلوغها قد يوفر صيغة ما (مستقبلاً ) لترتيبات ملزمة تضع حداً لأفعال إيران خارج حدودها.
*إن أي دبلوماسية جديدة لواشنطن في المنطقة يجب أن تجيب على سؤالين مهمين : الأول هو مدى شدة الإرتباط بين التوصل لإتفاق نووي مع إيران والتوصل لترتيبات اقليمية لأمن المنطقة؟ وهنا يشير الكاتبان إن من غير المنطق إتباع مدخل بومبيو الشمولي السابق بربط الإتفاق النووي مع خروج آخر جندي إيراني من سوريا ووقف انشطتها في المنطقة! لكن يمكن إيجاد حل وسط حيث يتم البدء بالمفاوضات النووية مع إيران مع خلق فرص لطرح موضوع التحديات الإقليمية التي تقوم بها إيران في المنطقة. وبموجب هذا المدخل يتم فوراً البدء بما يمكن إعادته من الإتفاق النووي السابق مع إيران ثم تعمل أمريكا مع مجموعة (1+5) للتوصل إلى إتفاق ملحق يتضمن القلق الإقليمي.
ولكي نكون واضحين (على لسان الكاتبين)فإن إيقاف الطموح النووي العسكري لإيران هو مصلحة أمريكية ملحة يجب عدم جعلها مشروطة بالحوار الإقليمي.
*أما السؤال الثاني الملح الذي يجب على واشنطن الإجابة عليه هو مدى ارتباط التواجد العسكري الأمريكي وحجمه بالنشاط والدبلوماسي الأمريكي في المنطقة؟
وهنا أيضاً يمكن اتباع طريق أوسط يشمل مثلاً ربط الإبقاء على قوات أمريكية في الخليج والسعودية مع إشتراط إنهاء الحرب في اليمن وتقليل التصعيد السعودي مع إيران.
*إن لدى كل من إيران والسعودية حوافز قوية لإدامة التوتر في المنطقة ما دام يجعل أمريكا تبقي على حمايتها العسكرية للخليج في ذات الوقت الذي يعطي الشرعية للنظام الإيراني لتعزيز قوتها في المنطقة.
*إن هناك أسباب حقيقة قد تجعل المبادرة الأمريكية الإقليمية مقبولة لدى المنطقة. فالعقوبات الأمريكية كبلت الإقتصاد الإيراني وجعلته يعاني كثيراً مما صعّد من الغضب الشعبي الداخلي الذي بات يطالب الحكومة الإيرانية بالتركيز على مصالح شعبها الداخلية.
من جانب آخر فإن فترة الغرام التي مر بها نظامي الحكم السعودي والإماراتي مع ثلاث إدارات سابقة (بوش الإبن وترامب) لم تجعلهم يتخلصون من جارتهم الشرقية،إيران. فترامب ورغم أسلوبه القوي لم يرغب في الدخول بحرب مع إيران ولم يستطع منع الدرون والصواريخ الإيرانية من الوصول للسعودية والإمارات.
*إن كل من السعودية والإمارات يدركان أنه لا يمكن لروسيا والصين أن يكونا بديلاً عن الضمانة الأمريكية لأمنهما وهذا الادراك يمكن استثماره لصالح المبادرة الإقليمية الأمريكية وتقليل التوتر في المنطقة.
*مع ذلك يجب التأكيد للسعودية والشركاء الآخرين في المنطقة أن أمريكا لا يمكن أن تكون متساهلة مع التهديدات الإيرانية لأمنها. فمنطقة الشرق الأوسط تبقى مهمة ويمكن أن تؤدي إلى حريق هائل لذلك فإن تواجد أمريكي عسكري مقبول يبدو معقولاً.
*على الرغم من كل المشاكل الموروثة في الشرق الأوسط ابتداءً من القاعدة ثم داعش ثم التصعيد العسكري والميليشياوي والتصعيد النووي ، إلا أن الرئيس الجديد قد يجد أيضاً فرصة يمكن استثمارها. فتصرفات إدارة ترامب قد تجبر كل من صناع القرار في واشنطن والمنطقة على إدراك محدودية النهج الحالي للتعامل مع مشاكل المنطقة. كما أن على المرء أن لا يكون ساذجاً بشأن طبيعية النظام في طهران حتى يعتقد أنه لم يعد من الحكمة الإعتقاد أن الولايات المتحدة قد لا تواجه خيار يدفعها للحرب مع إيران.