الشعبوية الطائفية والعمران البشري

الشعبوية الطائفية والعمران البشري

منقذ داغر

قبل حوالي 15 سنة نصحتُ أحد السياسيين من المنطقة الغربية بضرورة تجنب الخطاب الطائفي الذي يتم استخدامه لاستقطاب الناس وجعلهم يصوتون لصالحه على أساس حماية المذهب. وقلت ان خطورة هذا الاسلوب أنك ستجد دوماً من هو أكثر تشدداً ويقول أن ما تفعله لا يكفي وأن الحقوق لا تنتزع إلا بالقوة وبذلك نشجع التطرف المسلح!

وقد كررت ذات النصيحة عبر مناظرة تلفزيونية جرت بعد غزو الجراد الداعشي ، لكن هذه المرة لسياسي من الجنوب قائلاً له أن التحشيد لحماية المذهب قد يفيد في دغدغة مشاعر البعض ، لكن الأمور ستؤول حتماً لمن هو متشدد أكثر منك في حماية المذهب فيبرز السلاح ليتحدث باسم المذهب.

لقد أثبتت الاضطرابات العرقية والدينية في مختلف أنحاء العالم هذا الاتجاه ولم نجد شذوذاً عن القاعدة ، فالشعبوية الطائفية أو العرقية لابد أن تنتهي إلى صراعات مسلحة أو تمزيق النسيج المجتمعي. مع ذلك ولأنها تجارة شعبوية رابحة بخاصة وقت الأزمات (كالتي نمر بها حالياً ) فسنجد دوماً من هو مستعد لركوب الموجة وأخذ المجازفة بتهديد السلم المجتمعي ما دام ذلك يضمن له انتشاراً إعلامياً أو أصواتاً انتخابية !

أثبتت الدراسات العلمية التي أجريت على الظاهرة الشعبوية بمختلف أوجهها (ومنها الطائفية) أنها تنمو وتنتشر وقت الأزمات. وهي تعمل جنباً إلى جنب مع ما يسمى بقانون الندرة في الاقتصاد. فحيثما تشح الموارد ويشعر الناس بالتهديد الاقتصادي وحتى الاجتماعي أو الأمني فإن الشعبوية وخطابها التحشيدي تطل بقوة في المشهد السياسي كما هو حاصل لدينا الآن.

هناك عدد من الأسباب لبروز القادة الطائفيين (أو الشعبويين) عندما تشح الموارد وتواجه المجاميع المختلفة شبح التهديد الاقتصادي والأمني والمجتمعي. فالأمن الجسدي أو النفسي حينما يتهدد ، يحتاج إلى اشباعه بأي وسيلة حتى ولو تم ذلك باستخدام أشد الأساليب عنفاً ، أو بخرق القانون والنظام الذي لم يعد (كما يعتقد من يشعر بالتهديد) أنه بات قادراً على حمايتهم. لذا تبرز الحاجة إلى الأبطال والمجاميع الخارقين للنظام والقانون والذين يضعون هم القواعد ويطبقونها بأيديهم. فما دام الشخص أو المجموعة العرقية أو الطائفية مهددون في وجودهم المادي والهوياتي يكون كل شيء مبرر للحفاظ على الوجود.

على الرغم من أن هذا المنطق التبريري (منطق الدفاع عن النفس والوجود) يبدو منطقياً وسليماً إلا أنه ينطوي على خطر التشضي المتنامي. فالشعبوية تقوم على منطق نحن والآخرون. أي منطق تجزيئي لا تكاملي. فنحن نبدأ بالجماعة العرقية (عرب/كرد/تركمان .. الخ) والآخر سيكون المجموعة الأخرى. ثم بعد حين سيصبح نحن الطائفة (عرب شيعة /عرب سنة/ تركمان شيعة/تركمان سنة..الخ) ، ثم ننتقل إلى مرحلة التشضي التالية وهي البصرة مقابل النجف أو السليمانية مقابل اربيل . وهكذا فحالما يبدأ التشضي فلا يمكن ايقافه حتى نصل إلى مرحلة أنا وأخي على ابن عمي وأنا وابن عمي على الغريب. بمعنى سنصل في التشضي إلى مستوى العائلة حيث سيدعي أحد الاخوان أنه الأكثر قدرة على حماية اسم وكيان عائلته.

الشعبويون التقسيميون أعلى صوتاً اليوم بسبب قانون الندرة وعدم الشعور بتهديد خارجي يجعل الجميع متحدين لمواجهته. لكن علينا الانتباه أن سهولة وبساطة المنطق الاجتماعي والسياسي الذي يقدمه الشعبويون (نحن والآخر) ينطوي على خطر داهم على العراق هو أخطر من تهديد داعش أو أسعار النفط أو حتى كورونا. فالاجتماع الإنساني هو العمران البشري كما يسميه ابن خلدون ، وبدونه ليس هناك اقتصاد أو سياسة أو حتى دولة. والشعبوية الطائفية تهديد مباشر للاجتماع الانساني لأنها تضرب أساس هذا الاجتماع وهو الثقة باللآخر.

Leave a Comment

Your email address will not be published.