لا تجعلوا الدين يتخادم مع السلطة

لا تجعلوا الدين يتخادم مع السلطة

منقذ داغر
على مدى سنين طويلة مثلت الحكومة وحتى الدولة مصدراً لعدم الرضا بل والسخط العام في الذاكرة العربية بل وحتى الإسلامية بسبب أبتعاد الحكام عن هموم ومآسي الطبقات العامة في المجتمع. ونظراً لحاجة الحكام لغطاء شرعي يعوّض عن غطاء المشروعية الشعبية،فقد كان الدين أفضل غطاء لما يمثله من قيم راسخة في الوجدان العربي والمسلم. وقد أبتكر العثمانيون طريقة لتدجين تأثير الدين ونزع مخالب سطوته على الناس من خلال طرق متعددة أبرزها توظيف رجال الدين ووضعهم في مقدمة قوائم الرواتب والعطايا والمزايا الحكومية. وبأستثناء حالات قليلة كان معظم رجال الدين هم رجال دولة، فأبتلعت السلطة السياسية،السلطة الدينية و/أو تخادمت معها عبر أشكال متعددة. فبرزت لدينا طبقة وعاظ السلاطين والتي لم تحظى بمقبولية شعبية كبيرة مما أضعف كثيراً من قدرة المؤسسة الدينية(السنية) التي كانت تروج دوماً للآراء والتفسيرات الدينية التي تخدم السلطة وتبرر تصرفاتها. ولقد كان ذلك من بين أبرز الأسباب التي أدت الى ظهور حركات الاسلام السياسي التي تبنت رؤى مختلفة للدين والسلطة بخاصة وان كتب التراث الديني مليئة بالتفسيرات والرؤى السلطوية التي يمكن ان توظف بأي إتجاه. قاد ذلك لاحقاً الى تطور جديد تمثل بحركات التطرف الاسلامي التي الفناها جميعاً خلال العقود القليلة الماضية.
أما على صعيد الإسلام السياسي الشيعي فقد كان الموضوع مختلف لاسباب تاريخية وعقائدية منحت المؤسسة الدينية إستقلالية وجعلتها أقرب للطبقات الشعبية التي عانت من جور السلطة. لكن نجاح الإسلام السياسي الشيعي باستلام السلطة في إيران بدأ يرسم ملامح جديدة لعلاقة السلطة بالدين وخلق تحالفاً جديداً وقوياً بين الاثنين. وقد إزداد المشهد تعقيداً بعد تصدر قوى الاسلام السياسي الشيعي للمشهد في العراق وتنامي التنافس بين اتباع مرجعيتي قم والنجف. لقد أدى ذلك الى تداخل الخنادق بين السلطة والدين. وإذا كان هذا التداخل قد أخذ شكلاً واضحاً في إيران،فهو مازال في مرحلة النشوء والتدافع في العراق بسبب محاولات مرجعية النجف لابقاء مسافة فاصلة(قد تضيق احياناً لاسباب موضوعية) بينها وبين السلطة السياسية من جهة،وبسبب قوة وحيوية الاتجاهات المدنية بين شيعة العراق من جهة ووجود قوى سياسية غير شيعية مؤثرة في المشهد من جهة أخرى. وفي غمرة هذا الحراك الديني-السلطوي يبدو الخطر محدقاً بحرية التفكير الديني المتنوع والذي طالما تميز به الفكر الشيعي لابتعاده عن السلطة التي تفرض لوناً واحداً من التفكير وبما يتناغم معها ويخدم مصالحها. وتبدو الان المعركة واضحة بين التيار الديني الذي يريد المحافظة على استقلال المؤسسة الدينية من خلال اتاحة حرية التفكير والنقد والتفسير،وبين التيار الديني الذي يريد تفسيراً واحداً وخطاباً متناغماً مع متطلبات السلطة. وهنا لابد من التحذير من الوقوع بنفس الخطأ الذي وقعت فيه المؤسسة الدينية (السنية) الرسمية حين تحالفت وتخادمت مع السلطة. فالفكر المتطرف سيجد فرصة ذهبية في مثل هذه الأجواء لينتشر متهماً المؤسسة الدينية بأنها اصبحت خادمة للسلطة وفاتحاً الأبواب لكل الفكر الديني المتطرف الذي لابد ان يجد في كتب التراث مايخدم ذلك التطرف بشكلٍ أو بآخر. فالزاد الفكري للمتطرفين موجود في كتب التراث ولا ينضب،لكن الاستعانة بهذا الفكر الديني التراثي تجري حسب حاجة وظرف من يستعين به. ان فرض لون او صيغة موحدة للتفكير الديني قسراً وتقليص حجم الحرية الفكرية الدينية التي طالما تمتعت بها المؤسسة الدينية الشيعية سيجعلها تعاني ماعانته أختها السنية، وسيخلق في النهاية طبقة من وعاظ السلاطين المتخادمين مع السلطة.لذا على قادة الفكر الديني الشيعي منع اي محاولة للحد من حرية التفكير وجعل السلطة السياسية تبتلعهم او تدجن تأثيرهم، وإذا كانت المؤسسة الرسمية الدينية السنية قد تحولت الى خادم للسلطة فعلى المؤسسة الدينية الشيعية أن تبقى بعيدة عن السلطة وقريبة من الشعب.

Leave a Comment

Your email address will not be published.