نهاية الستراتيجية الكبرى

نهاية الستراتيجية الكبرى

مجلة فورن افيرز May – June 2020

*دزنر ، *كريبس و *شولر

تلخيص وتعليق: *منقذ داغر

عندما اجتمع ترامب مع فريق أمنه القومي في تموز 2017 حاول الفريق إبلاغه بأهمية النظام العالمي الحر

 liberal international order ففاجئهم بالقول أنكم مجموعة من الأطفال والحمقى! لقد أدت سياسات ترامب بالستراتيجيين لاعادة التفكير لأول مرة بمبدأ ساد الستراتيجية الأمريكية لمدة طويلة وهو مبدأ نشر ودعم النظام العالمي الحر.

ان الستراتيجية الكبرى Grand Strategy  هي خارطة طريق لكيفية موائمة الوسائل بالغايات. وتعمل هذه الستراتيجية حينما يتمتع صناع القرار بالقدرة على فهم توزيع القوى  داخليا وخارجيا ، ويكون هناك اتفاق داخلي بين الجميع على الهوية والأهداف الوطنية,وسياسات مستقرة, ومؤسسات أمن وطني راكزة . وفي 2020 لا يتوفر أي من هذه الشروط لصناع القرار الأمريكان.

فتغييرموازين القوى الدولية جعل من الصعوبة على أمريكا أن تحدد موقفها.  كما ان بروز الشعبوية والثقافات المتعددة أكل كثيراً من الهوية الوطنية المشتركة للاميركيين. فضلا عن ان الاستقطاب السياسي أثر على المؤسسات السياسية بحيث باتت سياسة كل إدارة هي مخالفة ولعن كل ما جاءت به الادارة السابقة.

  1. تغيير موازين القوى الدولية :

أي استراتيجية كبرى يجب أن ترتكز على فهم صحيح لتوزيع القوى الدولية. وقد فشلت أمريكا في إدراك صعود القوة الصينية عالمياً. كما أن هناك حراك دولي في موازين القوى بحيث بات يصعب القول أن هناك عالم ثنائي او ثلاثي الأقطاب. فالمسرح الدولي تتقاسمه مجموعة كبيرة من القوى الكبرى والمتوسطة. ولم تعد القوى العسكرية والاقتصادية هي التي تحدد لوحدها قوة الدول. لقد باتت القدرة على التعطيل والاعتراض والمنع هي القوى المؤثرة وليست القدرة على البناء والاصلاح. خذ مثل قدرة ايران على استخدام وسائل لمنع الملاحة في الخليج وكذلك قدرة الصين على استخدام الفضاء الالكتروني ووسائل منع الأقمار الصناعية لايقاف القدرة الأمريكية . هذه القدرات التعطيلية  والمعرقلة لتاثيرات القوى العظمى لم تعد تحتاج الى امكانات كبيرة غير متوفرة سوى للدول العظمى.في نفس الوقت فإن لاعبين جدد يملكون قوى صغيرة مثل الميليشيات والمنظمات الإجرامية والإرهابية ، والمنظمات غير الحكومية والمؤسسات الاقتصادية الكبرى باتوا قادرين على منافسة أكبر الدول والحد من سطوتها. هذا التغيير في تعريف القوى ينتج عالم او نظام دولي يتسم بالانتروبيا (التدهور الحتمي) يستحيل السيطرة عليه من قبل قوى معينة. والاستراتيجية الكبرى غير مناسبة لعالم التدهور الحتمي هذا.

  1. إنقسام الأمة :

باتت كل ادراة جديدة للبيت الأبيض تلعن سابقتها مع تغيير شامل على صعيد ستراتيجيتها الدولية مقارنة بسابقتها. فاحتواء الاتحاد السوفيتي ظل المبدأ السائد في الستراتيجية الأمريكية منذ عهد ترومان إلى ريغان. في حين صار بعدها لكل رئيس سياسة وستراتيجية دولية مختلفة.

من جانب آخر وطوال نصف قرن مضى باتت الشكوك تحوم حول مفهوم الأمة وهويتها الجامعة. وصارت هناك تعاريف جديدة تشكك اصلا بهذا المصطلح. وحدثت تغييرات اجتماعية عميقة في المجتمع الأمريكي منذ ما بعد حرب فيتنام ، وصار المجتمع الأمريكي متعدد الثقافاتز وزادت بشدة عدد المناسبات التي تحتفل بها الطوائف العرقية والدينية مثلاً. وبات الأمريكان الآن يفتقدون لمقاربة وطنية موحدة.

من هنا بات من الصعب الاتفاق على ستراتيجية كبرى موحدة ما دامت المجموعات العرقية والطائفية متباينة بشدة حول مفهوم الأمة ومدى ارتباطها بالخارج.

  1. الشعب مقابل الخبراء :

لطالما كانت الستراتيجية هي عمل الخبراء الحكوميين وصناع القرار في المؤسسة الحكومية الرسمية. لكن الفقدان التدريجي للثقة في هذه المؤسسة من قبل الرأي العام والتشكيك المستمر بالحكومة الاتحادية جعل هذا الشك يمتد لمؤسسة صنع القرار الخارجي بخاصة بعد تأييد تلك المؤسسة لحروب أفغانستان والعراق وليبيا والتي فشلت جميعها. كما أن تصاعد الشعبوية الترامبية زاد من محنة خبراء السياسة.

كل هذه العوامل قادت إلى موت ما يسمى بالستراتيجية الكبرى. إن المضي للأمام دون ستراتيجية كبرى يتطلب بتبني مبدأين أساسين : اللامركزية المصحوبة بشبكات قرار منسقة ، والتدريجية (التراكمية). فالسياسة الخارجية باتت اليوم تحتاج إلى منح مزيد من اللامركزية لمتخذي القرار في المستويات المختلفة والاعتماد على المعرفة المحلية. أما التدريجية فتعني عدم وضع كل البيض في سلة واحدة. صحيح أنها لا تستطيع تحقيق نصر حاسم في السياسة الخارجية لكنها تستطيع تجنب خسارة كبرى.

تعليق

هذا المقال يأتي في سياق الرأي الذي بدأ بالتنامي منذ عهد اوباما ويشكك في كون امريكا هي القوى العظمى في العالم ويؤشلر حقيقة تنامي قوى اقل من العظمى في مناطق مختلفة في العالم باتت تؤثر في المشهد الدولي وتحد من هيمنة امريكا.يقابل هذا الاتجاه اصوات(بخاصة من الستراتيجيين التقليديين) تدعو الى ضرورة تعديل سيايات امريكا لتعيد تعريف هيمنتها على النظام العالمي كأحد مصادر قوتها التي يجب ان لا تتخلى عنها. وأعتقد انه بالرغم من استمرارية الصراع بين هذين الاتجاهين غلى المدى القريب الا ان سياسيي امريكا يدركون انهم لا يمكن لهم التخلي عن دورهم الدولي ما دام النظام العالمي الحالي لم يتم استبداله بعد بواحد جديد. لكنهم في نفس الوقت يدركون ان الاحادية القطبية قد ولت دون رجعة. أخيرا فأن ما يشير له هذا المقال المهم ي}كد ما طرحته في أكثر من محفل وأستنادا لنقاشات معمقة مع المفكرين الستراتيجيين في اميركا ويصعب على الكثيرين في العراق والدول العربية عموما تصديقه, وهو ان أميركا ومنذ بوش الابن باتت تفتقر الى ستراتيجية واضحة ليس في العراق حسب بل في جميع المنطقة, وأن سياساتها هنا باتت محكومة برؤية سيد البيت الابيض وطاقمه المساعد.

 

*درزنر : أستاذ السياسات الدولية في جامعة توفتز

*كريبز : أستاذ العلوم السياسية في جامعة مينيسوتا

*شويلر : أستاذ العلوم السياسية في جامعة أوهايو

*منقذ داغر : مؤسس و رئيس المجموعة المستقلة للأبحاث وباحث أقدم غير مقيم في مركز الدراسات الستراتيجية والدولية بواشنطن ، ومدير الشرق الاوسط في كالوب الدولية للأبحاث

Leave a Comment

Your email address will not be published.