الفائات الثلاث هي من جعلت احتفالنا بعيد الجيش مختلف

الفائات الثلاث هي من جعلت احتفالنا بعيد الجيش مختلف

منقذ داغر

شهدت السنوات الأخيرة هجوماً منسقاً من كثير من المنصات الإعلامية ومن شخوص معينين على الجيش العراقي الباسل. وقد وصلت الوقاحة ببعضهم للمطالبة بحل الجيش (مرة أخرى) دون الاتعاض مما حصل للعراق ودولته بعد جريمة حل الجيش العراقي التي ارتكبها المحتل ومن جاؤوا على دباباته وطائراته عام 2003 . وكنا كمحبين لهذا الجيش ومدركين لكل ما يمثله للعراق من قيم الشجاعة الوطنية والفروسية نواجه بهجمات (الجحوش) الالكترونية حين نتبادل التهاني ونحتفي بذكرى تأسيس الجيش. إلاّ أن الاحتفال بهذه الذكرى يبدو مختلفاً هذه السنة،وله دلالاته التي يجب الوقوف عندها طويلاً كونها تمثل تحولاً جدياً ستكون له انعكاسات بعيدة المدى على النظام السياسي في العراق.

فلأول مرة منذ 2003 لم تتم مهاجمة من يحتفلون بذكرى تأسيس الجيش العراقي ! لا بل إني لاحظت أن بعضاً ممن اعتادوا على التشكيك بجيش العراق ووطنيته قد أرسلوا هذه السنة بطاقات تهنئة بمئوية تأسيس جيش العراق نشيد بالجيش وتمجده !! تزامن ذلك مع استعراض عسكري كبير في ساحة النصر وتحت قوس النصر في بغداد! فماذا جرى لتتبدل المواقف هكذا ؟ وكيف تحول هذا الجيش الذي طالما وصفه(البعض) بأنه عدو الشعب إلى جيش التحرير، والمؤسسة الوطنية (وهو كذلك فعلاً) التي لا يمكن التشكيك بها ؟ فهل اكتشف من يهاجموه فجأة وطنية هذا الجيش الذي طالما دافع عن العراق وحرر أراضيه من المعتدين وكان آخرهم عصابات داعش المجرمة والتي ما زال يطارد فلولها إلى الآن ؟

في رأيي،فأن هناك أكثر من حقيقة تأكد منها من شككوا بهذا الجيش هي التي أجبرتهم(او ربما اقنعتهم) بأتخاذ موقف مخالف لما اعتادوا عليه سابقاً.وسواءً أحدثَ تغيير المواقف هذا تقيةً أو ايماناً فان ما لايمكن القفز فوقه هو ان هناك خطاب اعلامي مختلف هذه السنة من قبل العديد من المنصات الاعلامية . ويبدو ان انتفاضة تشرين (المستمرة) كان لها دور كبير في كشف تلك الحقائق التي يمكن تلخيصها في ثلاث اسباب تبتدأ جميعها بالفاء(الفاءات الثلاثة):

1) فشل دولة الطائفة . فلطالما تم ترديد كذبة أن جيش العراق لا يمثل كل العراقيين . وقد كانت هذه الكذبة تلقى رواجاً في زمان السباق والتميز الطائفي في العراق وتتناغم مع المشروع الطائفي لبناء الدولة والذي تبنته بعض القوى التي قادت العملية السياسية.أما الآن وعلى الرغم من محاولات البعض إعادة إحياء جثة الطائفية إلاّ أن تلك المحاولات لا تلقى آذاناً صاغية. لذا لم يعد مناسباً وسم الجيش العراقي بأنه جيش طائفي!

2) فقدان الثقة بالنظام ٠٠٠٠٠٠””” الذي أسسه الإحتلال وتغانمه المتحاصصون. فبعد أن كان من يطلق مصطلح الإحتلال على غزو العراق٠٠ في 2003 يعد عدواً للشعب بات هذا المصطلح هو التعبير الرسمي عما حصل للعراق في 2003″. وصار المحرضون على هذا الاحتلال والمناصرون له(فجأةً) من اعداء الاحتلال الذي بات هو(وليس هم) مسؤولاً عن كل الفشل الذي عرفه العراق طيلة السنوات الثمان عشر الماضية! وبعد أن كان قادة النظام السياسي يتفاخرون بانجازاتهم في السنين الاولى التي أعقبت الأحتلال بل ويحتفلون بذكراه، باتوا يقرّون أن الأحتلال والاجراءات التي اعقبته(وفي مقدمتها حل الجيش)قد أحدث فوضى كبيرة وفراغ هائل تم استغلاله من قبل قوى اللادولة التي تُعد هي(لا هُم) المسؤولة عن الفشل العظيم.

3) فقدان الشرعية . استند متغانمو السلطة بعد 2003 في تبرير شرعيتهم على أكثر من سبب. وقد أتاح لهم ذلك إدعاء شرعية الحكم. فكانت (مثلاً) أخطاء وجرائم النظام السابق ، والمظلومية التاريخية ، والمبرر الديني الطائفي والعرقي ، والإرهاب الطائفي أهم المبررات للطبقة الحاكمة التي استندوا لها في شرعنة حكمهم. إلاَ أن انتفاضة تشرين 2019 وما سبقها من فشل النظام السياسي على كافة الصُعد جرد الطبقة الحاكمة من غطاء الشرعية المهلهل الذي كانت تتستر به . ولم يعد مقبولاً الاتكاء على تلك الاسباب لتبرير الفشل الذي استمر لاكثر من ثمانية عشر عاماً بخاصة وانه لم يعد ممكناً رؤية أي ضوء في نهاية النفق. وصارت هذه الطبقة منبوذة من قبل الشعب العراقي عموماً ومن قبل حاضناتهم الطائفية والعرقية ثانياً. وكانت انتفاضة تشرين من جهة والاحتجاجات الشعبية في كل مناطق العراق(بضمنها الكردية والسنية) دليلاً ساطعاً على نزع الشرعية عن النظام.لذا لم يعد أمام هذه الطبقة التي تريد إعادة إنتاج نفسها سوى التخلي عن أسباب شرعيتها القديمة ومحاولة إستعادة بعض الثقة الشعبية بها.

إن الفائات الثلاث (فشل دولة الطائفية ، فقدان الثقة بالنظام ، وفقدان الشرعية) اضطرت الطبقة السياسية وأبواقها التي تروج لها إلى مهادنة الشعب من خلال التفتيش عن رموز وطنية غير تلك التي روجوا لها خلال السنوات الماضية. ويقيناً فإن الجيش العراقي كان على رأس تلك الرموز الوطنية بخاصة بعد نجاحه الباهر في تحرير الأرض من داعش. وبعد فشل البديل الذي أريد تصنيعه  وتقديمه ليكون بديلاً لهذا الجيش وبشكل مشابه للنموذج اللبناني حيث جيش ضعيف وميليشيات قوية ، بات واضحاً أن الشعب العراقي قد حسم خياره في إختيار أنموذج الدولة القوية التي تحتكر استخدام القوة من خلال القنوات الرسمية (القوات المسلحة) وليس من خلال السلاح غير المنضبط.

ختاماً ، لابد من القول أنه وبرغم إختلافي الكبير مع الحكومة الحالية بخاصة في الملف الإقتصادي وبعض القرارات الاخرى، إلا أني ألمس نجاحاً حكومياً في ملف إستعادة الثقة بالجيش وتعزيز هيبته وسمعته الوطنية.

ولعل استعراض الجيش هذا اليوم هو خطوة في الإتجاه الصحيح أتمنى أن تستكمل بالهيمنة الكاملة على كل السلاح والإحتكار الفعلي للقوة وبما يتيح للعراقيين التوجه للإنتخابات القادمة وهم مطمئنين الى ان أصواتهم لن تتم مصادرتها من قبل تحالف المال المدنس،والسلاح غير المقدس.

 

 

Leave a Comment

Your email address will not be published.