أنتوني هـ كوردسمان
ربما لم يكن لأهم الأخبار في نهاية هذا الإسبوع علاقة بـ (كوفيد 19) أو معظم عناوين وسائل الإعلام. فربما تكون الصين قد حققت مكاسب إستراتيجية جديدة كبيرة في منطقة الخليج يوم السبت ، وهو مكسب يمنحها نفوذاً كبيراً في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بالإضافة إلى نفوذ كبير جديد في التنافس مع الولايات المتحدة. ذكرت صحيفة نيويورك تايمز في 27 آذار 2021 ، أن وزير الخارجية الصيني (وانغ يي) ووزير الخارجية الإيراني (جواد ظريف) وقعا إتفاقية الإستثمار مع إيران. [1]
لم يتم الإعلان عن بنود الإتفاقية ، ولكنها تبدو إقتصادية إلى حد كبير[2]. حيث يبدو أنها ترمي إلى إستثمار صيني بقيمة 400 مليار دولار في إيران على مدى 25 عامًا مقابل أسعار أقل لصادرات النفط الإيراني. و أشارت مسودة سابقة للإستثمار الصيني إلى ما يقرب من 100 مشروع ، كما ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أنها ستشمل برامج البنية التحتية الرئيسية مثل المطارات والسكك الحديدية عالية السرعة ومترو الأنفاق ومناطق التجارة الحرة في (ماكو) في شمال غرب إيران و مشاريع في (عبادان) حيث يصب نهر شط العرب في الخليج ، وفي جزيرة (قشم) الواقعة في الخليج. و قد تؤدي الإتفاقية أيضًا إلى إستثمار صيني كبير في قطاع البترول الإيراني ، لغايتي تحديث المرافق الحالية وإنفاق (توسيع) إنتاج النفط والغاز.
حتى لو أن الإتفاق لم يكن له تأثير عسكري فوري ، فإنه يمثل تحولًا كبيرًا في المواقف الإستراتيجية ويضع الأساس لمثل هذا التعاون في المستقبل. وأوضح وزير الخارجية (وانغ) خلال لقائه بالرئيس الإيراني (حسن روحاني) أن “الصين تدعم إيران بقوة في حماية سيادة دولتها وكرامتها الوطنية”. كما دعا الولايات المتحدة إلى رفع جميع العقوبات المفروضة على إيران ، وكذلك “رفع ذراعها الطويلة من الإجراءات القضائية التي كانت تستهدف الصين ، من بين دول أخرى”. و بدوره ، وصف (ظريف) الصين بأنها “صديق في الضيق”.
كما تشير بعض التقارير إلى أن المفاوضات على الأقل ناقشت الحاجة إلى أشكال جديدة من التعاون العسكري في مجالات مثل المساعدة العسكرية والتدريب العسكري وتبادل المعلومات الإستخباراتية. حيث أن إتفاقية الأمم المتحدة التي منعت تصدير الأسلحة الصينية والروسية إلى إيران قد انتهت صلاحيتها الآن. الأمر الذي يفتح الباب لإمكانية إجراء تدريبات عسكرية مشتركة وعمليات رئيسية لنقل أسلحة في المستقبل ، ويأتي هذا في وقت أصبحت فيه أسلحة الصين الجديدة وصواريخها وطائراتها أكثر جاذبية كصادرات أسلحة صينية مما كانت عليه في الماضي بكثير.
ومع ذلك ، فحتى إذا لم تعتمد الصين على هذه الإتفاقية لإنشاء دور عسكري رئيسي جديد ، فإن مثل هذه الإتفاقية الإقتصادية ستظل خطوة جديدة رئيسية فيما يمكن أن يطلق عليه “حرب المنطقة البيضاء” الصينية. ستمنح الإتفاقية الصين، مثلها مثل العديد من الجوانب الأخرى للتدابير الإقتصادية من مبادرة “الحزام والطريق” الصينية، ستمنحها على الأقل العديد من المزايا الإستراتيجية التي قد تتأتى من العمليات العسكرية العلنية ، أو القواعد العسكرية الجديدة ، أو مبيعات الأسلحة الجديدة.
إن أي إتفاقية ولو كانت إقتصادية بحتة تمنح الصين دورًا رئيسيًا جديدًا في الخليج العربي / الفارسي بأكمله. حيث أن من شأنها أن تقوض بشدة الجهود الأمريكية لاستخدام الحرب الإقتصادية في ممارسة “الضغط الأقصى” على إيران ، وبدلاً من ذلك فإنها تحول هذه الجهود الأمريكية إلى طرق تسمح للصين الحصول على تواجد إقتصادي وإستراتيجي أكبر بشكل مطرد في إيران.
أدنى ما يمكن أن يكون، أنها تمنح الصين أيضًا نفوذاً إستراتيجياً جديداً هائلاً في منطقة الخليج وفي المنطقة التي تسيطر على 20٪ من إمدادات النفط العالمية ، والتي تعتبر الأكثر أهمية لواردات آسيا من البترول. فلا يمكن لأي دولة خليجية أن تتجاهل حقيقة أن الإتفاقية توسع نفوذ الصين بطرق تمنحها المزيد من التأثير العسكري الممكن على الخليج ، فضلاً عن إمكانية ربط مصالحها بدور جديد موسع في العراق وروابط جديدة مع روسيا وسوريا. كما لا يمكن لأي دولة خليجية – أو قوة خارجية – أن تتجاهل الآن الدور الصيني المتنامي في الخليج ، ولا يمكن لأي دولة عربية التعامل مع الصين دون النظر في مخاطر قدرة الصين على أن توسع علاقاتها العسكرية مع إيران. ثم لا يمكن لأي دولة عربية خليجية أن تتجاهل حقيقة أن الإتفاقية قد تم توقيعها بعد زيارة (وانغ) لتركيا والمملكة العربية السعودية ، ولكن قبل زيارته للبحرين والإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان ؛ أو حقيقة أن الإتفاقية تتحدث عن دور صيني في إعادة تشكيل خطة العمل الشاملة المشتركة وجعل الصين تلعب دورًا أكبر في التفاوض للوصول إلى إتفاقية بين إسرائيل والفلسطينيين. ولا يمكن لأي دولة في المنطقة أن تتجاهل حقيقة أن الصين تصرفت في وقت كانت فيه الولايات المتحدة تقلل من وجودها العسكري في منطقة الخليج ، وفي وقت كان تقليص القوات الأمريكية يثير تساؤلات جدية بشأن العلاقات العسكرية المستقبلية لأمريكا مع شركائها الإستراتيجيين العرب.
تمنح الإتفاقية الصين إمكانية الوصول إلى ميناء إيران الجديد والقاعدة البحرية في (جاسك)، والتي تقع خارج الخليج على ساحل المحيط الهندي الإيراني. وهي تحبط جهود الهند لتطوير ميناء إيران وخط أنابيب جديد للنفط ومنشآت لتصديره في (تشابهار) ، كما أنها تعيق دور الهند في مساعدة إيران على إنشاء طريق وسكك حديدية أفضل توصلها إلى آسيا الوسطى.
إن دوراً صينياً أكبر في إيران سيمنح الصين دورًا محتملاً أقوى في استغلال علاقاتها مع باكستان واستثماراتها في الموانئ الباكستانية وطرق النقل إلى آسيا الوسطى والصين – في مواجهةً ل”الرباعية” خلال ذلك. كما إنه يمنح الصين مزيدًا من القدرة على استغلال القاعدة البحرية الجديدة والمنشأة المرفئية التي أنشأتها في جيبوتي على الساحل الجنوبي للبحر الأحمر وكذلك لاستغلال ما تعلمته عن استعراض القوة من خلال دورها في قوة مكافحة القرصنة في خارج الصومال.
علاوة على ذلك ، فعلى عكس إستعراض القوة الأمريكية والروسية في المنطقة ، فإن هذا الشكل من “حرب المنطقة البيضاء” يسمح للصين بتوسيع نفوذها لتحقيق الربح. فقد تكسب الصين على الأقل بقدر ما تنفقه، و ذلك من استثماراتها في إيران ، وانخفاض أسعار النفط ، ومكاسبها من أي جهود خليجية في تقديم حوافز للصين من أجل الحد من علاقاتها العسكرية مع إيران.
الأهم من ذلك كله، أن الصين قد غيرت رقعة الشطرنج الإستراتيجية على المستوى العالمي والإقليمي. الولايات المتحدة تركز الآن على المواجهة العسكرية المباشرة مع الصين في المحيط الهادئ. بينما تلعب الصين على المستوى العالمي ، وقد أظهرت للتو أنها تستطيع استغلال المسلك الضيق حيث يركز البعض في الولايات المتحدة على القتال الفعلي في جزء واحد من العالم. كما لا توجد أيضًا طريقة واضحة لمعرفة المدى الذي ستؤثر فيه هذه النقلة على اللعبة في المستقبل. قد تظل اقتصادية إلى حد كبير ، لكنها تتيح فرصا للعديد من النقلات العسكرية في المستقبل. ببساطة ، إنه تحذير خطير من أن الصين ربما تلعب شطرنج ثلاثي الأبعاد بينما تحاول الولايات المتحدة الفوز في لعبة الضامة (الداما).





