منقذ داغر
في مقالاتي الثلاث السابقة حاولت ايضاح الفروق بين العقليتين التفاوضيتين الايرانية والاميركية. ان تجنيب المنطقة سياسة حافة الهاوية التي يبدو ان الامور تسير باتجاهها الان هو الشاغل الرئيس لي. فأنا ممن يؤمنون أن الحرب اذا اندلعت عند جيراننا فأنها ستصيبنا حتما. ولا أود لأي شعب ان يعاني ماعاناه العراقيون نتيجة سياسة نظام لم يكن ينصت للأصوات الكثيرة التي نصحته بعدم العناد وعدم المضي في لعبة (بلف) الشيطان لأن الشيطان يعلم ما في داخلك. أذكر اننا كنا في جامعة البكر حين نرفع بعض التقارير المترجمة عن الغرب وننصح(متخذ القرار)بالاستفادة مما يرد فيها كان ينظر لنا احيانا بأننا متأثرين بالدعاية الغربية أو غير واثقين من قدراتنا وأمكاناتنا الثورية،حتى حصل الذي حصل والذي لا أرجوه لأي شعب آخر بخاصة ان كان جاري.
في المقالين السابقين قارنت بين كتابات مسؤولَين امريكيين أحدهما في الادارة الحالية والاخر في الادارة السابقة وبين تصريحات مسؤولين ايرانيين يتبنون عقلية البازار التي شرحتها تفصيلا. اليوم استعرض ما كتبه دينس روس في (ذا ناشونال انترست)يوم 12 من الشهر الجاري تحت عنوان:كيف يستطيع بايدن التغلب على الضغط الايراني الاقصى؟والكاتب هو احد المساعدين الخاصين لاوباما وبالتالي هو يؤمن باهمية الاتفاق النووي مع ايران وليس لديه موقف ضد الجارة. يلاحظ الكاتب ان ايران لجأت خلال الاشهر الاولى من حكم بايدن الى حملة من الضغط الاقصى هدفها اجبار الادارة الاميركية على رفع عقوبات ترامب قبل بدء اي تفاوض. هذه الحملة تلخصت في رفع مستوى تخصيب اليورانيوم،وعرقلة تفتيش منظمة الطاقة الذرية ،والتهديد بتصنيع معدن اليورانيوم،فضلا عن تصعيد انشطة اذرع الحرس الثوري في العراق واليمن من خلال الهجمات الكثيرة التي حصلت في العراق والسعودية. ويعلق روس على حملة الضغط الاقصى الايرانية هذه بالقول “يجب ان يدرك قادة ايران انه لا يمكنهم تحقيق اي فوز في هذا الموقف.وبكل حكمة اوضحت الادارة الاميركية انها لن تقدم اي تنازلات احادية لايران وان عليها اللجوء الى مزيج من الخيارات الدبلوماسية والقسرية لادامة الضغط واقاء اللوم على ايران”. ان المتابع لخطوات رقصة الفالس الامريكية الايرانية يدرك تماما ان ما قاله روس هو بالضبط ما تطبقه الادارة الجديدة، وكما اوضحت ذلك في مقالاتي السابقة.أن اخطر ما ورد في المقال في رأيي هو الاشارة الى تصريح بايدن الذي قال فيه “ان الدول العظمى لا تراوغ” اي انها لا تبلف، وبالتالي تعني ما تقوله. لذلك فعندما تقول امريكا انها ستختار زمان وطريقة الرد على الهجمات الصاروخية للميليشيات في العراق-كما يقول الكاتب- فأنها ستفعل ذلك. ويختم روس نصائحه للادارة الجديدة بالقول “يجب ان تفهم ايران ان الحرس الثوري يلعب بالنار وهي نيران ستحرق ايران ان لم يتم اخمادها”.
وما يهمني من كل ذلك،كعراقي، هو ان النيران اذا اندلعت في ايران فان العراق والمنطقة لابد ان يصيبها بعض من تلك النيران. وفي العراق فأن هشاشة النظام من جهة ،وفقدان الثقة الشعبية به من جهة ثانية ،وسيطرة اشباح اللادولة من جهة ثالثة تجعل العراق مثل برميا البارود الذي سيخلف انفجارا هائلا اذا ما اصابته اي شرارة. من هنا تأتي مقاربتي بضرورة قراءة الموقف استراتيجيا بعقلية الواقع لا عقلية البازار. فكما قال روس وقبله كثير من صناع القرار في الغرب”يجب ان لا يتوهم احد بان بامكانه صنع قنبلة ذرية في النهاية”. وكم اتمنى ان تسود حكمة الشرق بدلا عن شطارة البازار، لا في ايران فحسب بل في كل عالمنا الشرقي وفي مقدمته العراق.