غثُ الإستطلاعات من سمينها

غثُ الإستطلاعات من سمينها

*منقذ داغر

تنص معظم دساتير الدول حتى الدكتاتورية منها أن الشعب هو مصدر السلطات. وفي الديمقراطيات الحقيقية والراسخة يعد قياس الرأي العام واحداً من أهم وسائل التواصل بين النخب السياسية وقواعدها. وقد كتب روسو في عقده الإجتماعي أن الرأي العام هو السلطة الرابعة لأي دولة. لذلك تطور علم قياس الرأي العام بشكل كبير خلال المئة سنة الماضية وصارت له قواعده التي تعتمد على مجموعة علوم في مقدمتها الإحصاء ، وعلم النفس ، والاجتماع والسياسة.

كأحد المختصين في هذا العلم ومسؤول في واحدة من أقدم وأكبر مؤسسات استطلاع الرأي في العالم (غالوب الدولية) ، فقد لاحظتُ مؤخراً اهتماماً متنامياً باستطلاعات الرأي في العراق. لكن ذلك للأسف قد ترافق مع بعض المظاهر السلبية التي تؤثر في مصداقية قياس الرأي العام في العراق وفي مقدمتها نشر كثير من الاستطلاعات غير العلمية والتي تحاول الترويج لمفاهيم أو شخوص أو أنظمة وبدون أي موضوعية. لقد أدى ذلك إلى تشكيك البعض في مصداقية الاستطلاعات الرصينة أيضاً مما يجعل من متخذ القرار العراقي والنخب المثقفة تفقد واحدة من أهم آليات صنع القرار في الديمقراطيات الرصينة.

ابتداءً لابد من القول أن قياس الرأي العام هو أحد العلوم الإجتماعية التي فيها هامش من الخطأ المقبول والمبرر. ولفهم استطلاعات الرأي في العراق بطريقة أفضل والتعرف على الغث من السمين فيها يجب إدراك الحقائق الآتية :

1- إن الإستطلاعات تقيس الإتجاهات Attitudes النفسية والمدركات العقلية Perceptions  ولا تقيس السلوك الإنساني الحقيقي. أي أنها تقيس إحتمالية السلوك وليس السلوك. لذلك فهناك هامش للخطأ. مع ذلك فهي أفضل وسيلة عرفها الإنسان (حتى الآن على الأقل) لقياس السلوك الجماهيري.

2- إن السلوك الإنساني (غالباً) ما تحركه المدركات وليس الوقائع. فكثير من الناس مثلاً يرفضون من الآن أخذ لقاحات كورونا ليس لدليل علمي متوفر لديهم وإنما لتصورهم المبني على مصادر مختلفة ، أن اللقاح غير آمن. كما أن إقتناع الرأي العام العراقي(مثلا) أن كل السياسيين فاسدين يجعل أي سياسي موضع شك حتى لو كان نزيهاً. والقاعدة المعروفة في الرأي العام هنا هي أنه (لا يعود للحقائق معنى عندما يتم فقدان الثقة).

3- ليس ما تؤمن به أنت أو المحيطين بك ومهما كان عددهم يمثل الرأي العام. فالإنسان يميل بطبعه للاتصال والإختلاط والتوافق مع من يشابهوه بالرأي. وبما أن الناس تختلف في ارائها وافكارها،فهناك دوما رأي اخر يجب الانتباه له وقياسه.

4- قياس الرأي العام يجب أن لا يقتصر على المتعلمين والنخب. فهؤلاء يمثلون جزء من الرأي العام،وليس كله. وفي الانتخابات مثلا فأن صوت الأمي مشابه في قوته لصوت حامل الدكتوراه.

5- إن أي استطلاع لا يمثل كل شرائح المجتمع بمختلف مستوياتها التعليمية والديموغرافية هو استطلاع غير صحيح. فمثلاً إذا زادت نسبة الذكور عن 51% في أي استطلاع أو قلت نسبة النساء عن 49-50 % فانه لا يعد ممثلاً للمجتمع العراقي.

6- هناك خطأ شائع هو أنه كلما زاد حجم العينة كلما كان ذلك أفضل. فجودة العينة وتمثيلها للمجتمع لا يعتمد على حجمها وإنما على طريقة اختيارها وفقاً للمعايير الإحصائية الصحيحة.

7- الاستطلاعات الصحفية وكثير من الإستطلاعات الإلكترونية والتي تجرى عبر وسائل التواصل الإجتماعي أو مواقع إلكترونية معينة ، لا تعد وبخاصة في دولة مثل العراق استطلاعات علمية موثوقة بها.

أن مؤسسات استطلاع الرأي مثل أي جامعة أو مؤسسة أكاديمية، لكن ان تحصل على الشهادة من هارفرد مثلا يختلف تماما عن الحصول عليها من بعض الجامعات التي شرعن البرلمان العراقي في قراره الاخير معادلة شهاداتها وهي لا تعدو كونها (جمبر) بسوك الغزل.

 

* مدير الشرق الأوسط وشمال افريقيا في مؤسسة كالوب الدولية لاستطلاعات الرأي

Leave a Comment

Your email address will not be published.