منقذ داغر
حفل الاسبوعين الاخيرين بتحركات مكوكية لجماعة الإطار التنسيقي الذين استشعروا مباشرةً بعد الانتخابات خطورة وضعهم في العملية السياسية والتهديدات المحدقة بمكاسبهم خلال السنين الماضية.وجرى الحراك على ثلاث صُعُد:جماهيرية،وقانونية وسياسية. وصمموا إستراتيجية اوضحتُها قبل شهر تقريباً في أحدى المحطات التلفازية تقوم على أستثمار الثغرة القانونية الخاصة بمدة الطعون والمصادقة في قانون الانتخابات ومد عملية المصادقة على النتائج أطول مدة ممكنة باستثمار كل الحيل القانونية المتاحة،وإنهاك كل من المؤسسات الرسمية والقانونية من جهة،والاعلام والجمهور من جهة أخرى لكي يقبلوا بما ستسفر عنه نتائج تحركاتهم السياسية.
ليس عندي شك في ان قادة ما بات يسمى بالاطار التنسيقي مقتنعين بعدالة النتائج الانتخابية،لكنهم (وهذا من حقهم) يحاولون استثمار كل المناورات الممكنة لمنع ان تكون النتائج المترتبة على قلة مقاعدهم في البرلمان القادم مهددة لعروشهم التي بنوها لسنوات،بخاصة وان معظم الفائزين في الانتخابات ممن قد يشكلون الحكومة لديهم حسابات قديمة مع قوى الاطار قد يحاولون تصفيتها اذا وضعوا ايديهم على السلطة. لذلك فأن تعويض فقدانهم للشرعية الانتخابية يمكن،من وجهة نظرهم،تعويضه بالشرعية السياسية وشبكة علاقاتهم(القوة الناعمة)،فضلا عن مصادر قوتهم(القوة الخشنة). وفعلا تم استثمار كل مصادر القوة هذه لايصال الجميع لفكرة ان العراق قد يتعرض الى هزة أمنية وسياسية كبرى أذا تم تجاهل(الاطار) والمضي في حكومة أغلبية يتم فيها أقصاء صقور الاطار عن الوزارة المقبلة!
أن هذه الاستراتيجية لاقت نجاحات لافتة على ما يبدو بخاصة لدى الطرفين السني والكردي واللذان زادت أمكاناتهما على لعب دور أكثر تأثيرا في تشكيل الحكومة هذه المرة،ليس بسبب مقاعدهم الانتخابية فحسب بل بسبب الانقسام والاستقطاب الشديدَين داخل (البيت الشيعي). وكانت المناورة الأكبر هي نفخ الروح في جسد تحالف البناء-السني بحيث عادت ذكريات مرحلة مابعد انتخابات 2018 مع تزايد اعداد النواب السنة الطامحين بالاطاحة بالحلبوسي وتوحدهم تحت عنوان (العزم) دون اعارة اهتمام كبير للمشروع السياسي! فبات مشروع (العزم) الاطاحة بالحلبوسي من خلال التحالف مع الأطار-البناء الشيعي.وعلى الرغم من حقيقة أن الاطاحة بالحلبوسي لا تكفي لوحدها لادامة العزم-البناء أذ سرعان ما سيتبدد هذا التحالف الذي بني على نفس أسس البناء والاصلاح اللذان انهارا في 2018 بسبب الخلافات الزعاماتية.
أما على الجانب الكردي فقد منحت مناورة الاطار الانتخابية فرصة أكبر للمحاوِر الكردي الخبير باستثمار الفرص واقتناص الخلافات لتحويلها الى مكاسب.فبعد أن كان أمام الكرد خيار واحد(صدري) للتفاهم،باتوا يلوحون أيضاً بخيار الاطار كبديل متاح على أعتبار انهم لا يريدون شق البيت الشيعي! لذا فمن المنطقي جداً قيام الكرد برفع سقف مطالبهم للحصول على اقصى ما يمكن سواء من الاطار،أو من الصدريين،أو من خلطة العطار ان تم الاتفاق عليها.
وعلى الصعيد الخارجي فأن حجم التأثير هذه المرة لن يكون بحجم المرات السابقة وان مازال موجوداً.فنتيجة لظروف اقليمية ودولية كثيرة ومعقدة سيحاول الفاعلان الرئيسان تجنب الصدام المباشر كما فعل ماكغرك-سليماني في 2018. مع ذلك فان ايران التي تفضل خلطة العطار،وأميركا التي تميل لتحجيم الاطار سيبقيا يرقبان عن كثب تطور الاوضاع ويسهمان بشكل اقل حدة مما سبق في دعم الاطراف الاقرب لهما. وحتى الجانب التركي المساهم بقوة عبر البوابة السنية فان تأثيره لن يكون أكبر من تأثير المتغيرات الزعاماتية العراقية. ويبدو واضحاً هذه المرة أن التجاذبات داخل مزرعة رؤوس البصل العراقية ستكون لها الغلبة هذه المرة على (العم) سام و(الأغا) العام و(سلطان) الاسلام.
وعلى الرغم من ان الوقت لازال مبكراً للحكم على نجاح مناورة الاطار التي قد ترتد عليه وبالاً في ظرفٍ ما بخاصة اذا نجح السيد الصدر في أحتوائها هو وحلفاؤه المحتملين من السنة والكرد،الا ان سيناريو نجاحها وارد. حينذاك سوف يجد السيد الصدر نفسه محاصراً بين خيارين لا ثالث لهما: الانضمام لخلطة العطار،أو المعارضة وهدم الدار. الاول يضمن له ربحاً مباشراً سريعاً وخسارة كبيرة على المدى المتوسط،في حين يضمن له الخيار الثاني خسارة سريعة وربح بعيد.مع ذلك فان كل السناريوهات المتوقعة: الاغلبية،أو خلطة العطار أوالمعارضة ستقود الى نفس النهاية المسدودة أصلاً. فالاغلبية ستخلق حكومة أفضل لكن مستوى التهديدات المحلية لها من قوى الاطار ومن حالفهم أو ساندهم في خلطة العطار ستكون مرتفعة. أما أذا نجح الاطار في خلطة العطار مع الحنانة كخيار فستنتج حكومة توافقية منزوعة الدسم مترهلة بالشحم لن تكون عاقبتها سوى الفشل والندم. يبقى خيار ذهاب السيد الى المعارضة التي ستشكل مع بقية الفائزين من المستقلين والتشرينيين معارضة قوية مدعومة بكامل الشعبية سواء من قواعد الحنانة أو من بقية الشارع الذي قاطع الانتخابات والذي سيشجعه الفشل المؤكد للحكومة على الخروج من جديد مطيحاً بالحكومة وفاتحاً آفاق غير معلومة العواقب. آنذاك ستتعزز حظوظ سيناريو تشرين واحتمالات الخلاف بين التشرينيين والصدريين من جهة،وبين الصدريين وقوى الاطار المسلحة من جهة ثانية،واغتيالات شباب تشرين من جهة ثالثة.
الخلاصة،فأن أمل حصول تغيير سلمي والذي زاد منسوبه كثيراً بعد أعلان نتائج الانتخابات يبدو غير محتمل بعد مناورة الاطار التي ستثبت حجج من قاطعو الانتخابات وستؤكد أجابة أكثر من ثلثي شباب(الشيعة) في آخر استطلاع أجرته مؤسسة غالوب الدولية بان وسيلة التغيير الوحيدة هي الشارع. هذا سيفتح كل الابواب لعودة أحتمالات الأنفلات الامني في الجنوب وعودة داعش في الشمال وفشل الحكومة في بغداد.





