منقذ داغر
رئيس المجموعة المستقلة للابحاث وباحث غير مقيم في مركز الدراسات الستراتيجية والدوليةCSIS بواشنطن
سئلت أكثر من مرة عن فائدة محاكمة ترامب وعزله من قبل الكونغرس الأمريكي بخاصة وأنه سيغادر البيت الأبيض بعد أيام قليلة. إجابتي ، هي أنه فضلاً عن الأبعاد السياسية والقانونية التي يراد تحقيقها من هذا العزل، فإن مثل هذه الممارسة تأتي في سياق تقليد راسخ في الغرب عموماً (وليس أمريكا حسب) لوأد الطواغيت ومنع العودة إلى عبادة الفرد بعد أن بدأوا بادراك خطورة هذه العادة على حضارتهم وتقدمهم منذ عصر التنوير ثم الثورة الفرنسية ، وتأكدوا من خطورة هذا التوجه بعد الحرب العالمية الثانية، فغادروها بلا عودة ولا أسف. فتشرشل(مثلا) الذي قاد بريطانيا للانتصار في الحرب لم يعاد انتخابه. وديغول مؤسس الجمهورية الخامسة وقائد المغاربة ضد الاحتلال الألماني عرضة للانتقاد من أي شخص. لا بل أن البابا الذي هو في نظر الكثيرين رمز ديني لا يُعد مقدساً ويمكن انتقاده (كشخص) علناً. هذا بالطبع لا يمنع الأحتفاء بهؤلاء القادة والشخوص،لكنه يعني انهم ليسوا أكثر من خدم لشعوبهم أدوا ما عليهم بتفانٍ وأخلاص.
وعلى الرغم من البون الشاسع بين ترامب وتشرشل أو ديغول أو سواهم من القادة الذين تركوا تاريخا مشرفا لهم ولشعوبهم في الغرب سواء من حيث الممارسة أو الفكر، إلا أن ترامب(الشعبوي) لديه من الأتباع المفتونين به ما يمكن أن يحوله إلى طاغوت يعبد. وهذا(صناعة الطواغيت) ما لا يمكن القبول به كممارسة في الثقافة الغربية الليبرالية. لذا لا أستبعد صدور عدد من الاجراءات والممارسات والمراجعات السياسية والفكرية والإجتماعية التي ستكفل تخليد ترامب ، لكن كأحد أسوأ من حكم النظام الديمقراطي الليبرالي في أمريكا.
في مقابل هذه الممارسات التي تهدف إلى وأد الطاغوت وهو وليد ، نميل في مجتمعاتنا وثقافتنا إلى عبادة الفرد وبالتالي صناعة الطاغوت وتقديسه. فممارسات صناعة الطاغوت عندنا لا تبدأ بمنع الإنتقاد ، أو إضفاء هالة من القدسية على الفرد (أياً كانت مكانة هذا الفرد السياسية والدينية والإجتماعية ) ،وهي بالتأكيد لا تنتهي بنشر صوره وتعليقها في كل مكان أو بث الخرافات والأكاذيب عما فعله أو اتخذه من قرارات قد يكون بعضها كارثياً ومدمراً للأمة والشعب. قد يعتقد البعض أني أقصد أشخاص بعينهم فقط. لكن على الرغم من صحة كوني أقصد شخوصا معينين (حاليين أو سابقين)سواء في العراق أو عالمنا العربي ومحيطنا الأسلامي، فأني أقصد أولا فكرة وممارسة صناعة الطواغيت وعبادة الفرد السائدة عندنا.فمثلما لا يمكن المساس بأتاتورك مثلاً في تركيا ، فإنه لا يمكن ( عند صنّاع الطغاة وعبيدهم) المساس أو حتى مناقشة أفعال القائد الديني أو السياسي بل وحتى العشائري أحياناً في مجتمعاتنا الشرقية. لذا تكثر لدينا مصطلحات الرموز وتيجان الرؤوس ( الدينية أو السياسية أو العشائرية).
إن شعوباً تقدس الشخوص، وتجعل تراثهم كالنصوص، وتعدٌ كل نقدٍ لهم نكوص لهي شعوب لا تستحق أن يحكمها إلاّ اللصوص، ولا عيشا الا كعيش الحرقوص.