منقذ داغر

أدعي أني من المؤمنين بالعلمانية والمنادين بضرورتها لحياتنا السياسية(على الأقل). لكن العلمانية التي أفهمها وأذود عن حياضها تختلف كثيرا على ما يبدو عن علمانية الكثيرين ممن ينسبون أنفسهم للعلمانية، ويملؤون فضاءات الأعلام والتواصل الأجتماعي ضجيجاً،بخاصة في الاونة الأخيرة. وبدلا من أن تكون معركتي مع تجار الدين ومستثمريه، وغلاة التدين ومحتكريه، وحراس الشرف ومدَعيه،وسدنة اليوم الاخر وعارفيه، صارت معركتي مؤخراً مع غلاة العلمانية ومتطرفيها، وعتاة العنصرية ومعتنقيها، والكافرين بالأديان ومحاربيها!!

“هناك التعصب الديني، والتعصب غير المتدين، والثاني لا يقل سوءً عن الأول”. هكذا خاطب وزير التربية -ورئيس الحكومة لاحقا- جول فيري الحضور في 19 نيسان (أبريل) 1881  حينما كانوا يناقشون علمنة المناهج في فرنسا. ويبدو أنه كان يدافع عن علمنة المناهج لا علمنة الطلاب.ومع أعترافي أن التعصب الديني مشكلة كبيرة يواجهها العالم منذ القديم وسفكت على مذبحها الاف الأرواح البريئة، فأن التعصب العلماني مشكلة لا تقل خطورة وقد تؤدي الى حروب أهلية تسفك فيها الدماء وتقيد فيها الحريات وتتخادم في سلوكها مع التعصب الديني. وكما أنتج التعصب الديني عبر التاريخ تعصبا علمانيا، فأن التعصب العلماني اثبت قدرته على أنتاج تعصب ديني. وهنا يمكنني الأشارة الى أن أكثر من دراسة لأشارت الى ان الدواعش التونسيين مثلا هم من بين الاكثر عددا(نسبة للسكان) والأشد قسوة. ومعلوم ان تونس قد تبنت منهجا علمانيا متطرفا جدا في عهدي بورقيبة وبن علي. ويزداد الأمر خطورة حين تعجز الدول التي تتبنى هذا المنهج المتطرف في أن تقنع فئات مجتمعية فيها باعتناق مفهوم الهوية الوطنية، كما حصل للمسلمين في فرنسا والقوقاز، وكما هو حاصل عندنا في العراق الذي فشل النظام الحاكم فيه بخلق هوية وطنية جامعة. هنا قد تتحول العلمانية الى هوية بديلة تدفع معتنقيها الى التخندق الهوياتي الذي يقمع الاخرين ويدفعهم الى تخندق هوياتي متطرف لا ينتج سوى العنف والقمع المقابل.

أن العلمانيين يمكن ان يتحولوا الى دواعش ترامبيين أذا تمكن منهم الفكر المتطرف،ورفضوا الاخر المختلف عنهم. حينذاك يصبح هؤلاء (الترامبلمانيين) أشد خطورة على المجتمع بخاصة حين يفتقد ذلك المجتمع الى مؤسسات قوية كما هو حال الديمقراطيات الراسخة. عند ذاك، وكرد فعل للأقصاء والشعور بتهديد هويتهم، سيأخذ دواعش الدين على عاتقهم مهمة التصدي للترامبلمانيين، فنكون أزاء حرب أهلية حتمية.ولكسر هذه الحلقة المفرغة من العنف والاقصاء المتبادل فلا بد من تقديم ضد نوعي للتطرف على جانبيه الديني والعلماني. لذا فأن العلمانية التي أؤمن بها، ويؤمن بها كثيرون غيري، هي علمانية غير متطرفة . وهي أقرب الى المنهج الانكلوساكسوني الذي يدعم حرية التدين مقابل المنهج الفرانكفوني للعلمانية والذي يشيطن الدين.أن العلمانية التي يمكن ان تكون حلا لكثير من مشاكلنا في العراق وكثير من الدول المشابهة،هي ليست تلك التي تريد فصل الدين عن الحكم بل تلك التي تريد حماية الدين من الحكم ،والمحافظة على نقاءه الروحي وبعده الأخلاقي. أنها علمانية تدافع عن حرية الدين كما تدافع عن حرية المعتقد،والتعبير،وقبول الاخر المختلف. أنها علمانية لا تدعي أحتكار الحقيقة ولا الفضيلة وترفض من ينصبون أنفسهم سدنةً للحق والفضيلة والشرف. أنها علمانية تؤمن بأنها مثل كل الأفكار الأنسانية حق قد يعتوره الباطل. هي علمانية غير مؤدلجة ولا مقدسة .أنها ببساطة علمانية الدين لا دين العلمانية.