منقذ داغر
لست اقتصادياً،لكني ادرك اهمية الاقتصاد(ومنه موازنة الدولة) على استراتيجيتها العامة. معروف ان الموازنة الامريكية لا تمثل فقط خطة اقتصادية لسنة مقبلة،بل هي تعبير واضح عن توجهات ادارة البيت الابيض داخليا وخارجيا. يعد مشروع الموازنة الذي ارسله بايدن للكونغرس امس لمناقشته واقراره قبل تشرين القادم علامة فارقة في مسار امريكا ،لا من حيث ضخامته غير المسبوقة حسب ،أذ يخطط بايدن لانفاق 6 ترليون دولار صعودا من 4.8 ترليون خلال آخر موازنات ترامب، بل من حيث غاياته المرتبطة بهدفين. اذ تسعى ادارة بايدن أولاً الى توكيد ريادة امريكا على المسرح الدولي،او كما صاغها بايدن بنفسه قبل يومين حين قال:(امريكا عائدة)،وكأن امريكا كانت مغادرة اصلاً!!أما الهدف الثاني والمرتبط بالاول فهو استعادة فترات النمو الاقتصادي الطويلة التي طالما عرف بها الاقتصاد الامريكي بعد الكساد العظيم في ثلاثينات القرن الماضي وأهلت امريكا لتتربع على عرش الريادة العالمية طيلة العقود الناضية. لقد شهد الاقتصاد الامريكي،نتيجة المغامرات العسكرية من جهة،والاستقطاب والسياسات الحزبية من جهة ثانية،والاختلالات الهيكلية والوظيفية من جهة ثالثة، اهتزازات خطيرة وفترات كساد متكررة خلال العقدين الماضيين اديا الى تهديد مكانة امريكا الريادية دوليا. لذا فان من اللافت ربط مشروع الموازنة هذا مع هدف (توفير اقتصاد قوي الان ولعدة عقود..واستثمار فرصة انخفاض كلف الاقتراض حاليا وصولا لانفاق مقداره 8 ترليون دولار بحلول 2030)كما قالت يونغ مديرة مكتب الادارة والموازنة في البيت الابيض.
ان اللافت في الموازنة المقترحة تركيزعلى استثمارات هائلة(4 ترليون) في مجالات البنية التحتية(الطرق والنقل والتعليم والصحة) وتغير المناخ والتعافي من كورونا والانترنيت. كما كان لافتا حجم موازنة الدفاع الضخمة التي بلغت ثلاث ارباع ترليون دولار،لدعم الجيش الامريكي في مواجهته لقوتي الصين وروسيا معا. ويلاحظ ان الجزء الاكبر في موازنة الدفاع هذه والتي تتفوق على موازنات دفاع كل الدول العظمى مجتمعة،يركز على مجالات حروب الجيل القادم والذكاء الصناعي فضلا عن تعزيز قدرات امريكا النووية جوا وبرا وبحرا. ومن ضمن هذه النفقات الدفاعية تم تخصيص أكثر من نصف مليار دولار للمساعدة في حرب داعش منها 350 مليون لمساعدة الجيش العراقي،وهذا اكثر مما خصص لهذه السنة! وعلى الرغم من توقع معارضة جمهورية شرسة في الكونغرس لمشروع الموازنة هذه التي وصفها الجمهوري البارز غراهام ليندزي بانها الاكثر جنونا،الا ان سيطرة الديمقراطيين على مجلسي الكونغرس والحاجة لاغلبية النصف زائد واحد لاقرار الموازنة يجعل توقع تمريرها مقبولا.
ملاحظتان تجعلان هذا المشروع يعطي دلالة واضحة على توجهات الادارة الامريكية في المنطقة،والعراق تحديدا. الاولى ترتبط برغبة بايدن القوية في ادامة التفوق الامريكي على اللاعبين الاخرين،وبالذات الصين وروسيا،في الساحة الدولية ليس اقتصاديا فحسب بل عسكريا ايضا. ومنطقتنا تشهد تنافسا واضحا بين جميع هذه القوى الدولية فضلا عن تنافس القوى الاقليمية عليها. لذا تبدو التوقعات السابقة بخصوص انسحاب امريكا من المنطقة وبخاصة بعد النزاع الاخير في غزة بعيدة تماما عن الواقعية. أما الثانية،فأن هذا التخصيص المتزايد للاموال لقتال داعش وتدريب وتجهيز الجيش العراقي يثبت بما لايقبل الشك ان امريكا تنظر للعراق نظرة الشريك الستراتيجي الذي لايمكن التخلي عنه خدمةً للمصالح القومية الاميركية. وسواء قبل المؤيدون للتواجد المريكي،أو رفض الرافضون لهذا التواجد،فأن مبادىء الستراتيجية الثابتة والتي تنص على: اغتنام الفرص، وتجنب المخاطر،وتعزيز القوة،وتجنب الضعف تستوجب الهدوء والبراغماتية في النظر للامور بعيدا عن العواطف والشعارات(الما توكل خبز).