منقذ داغر
في مقال لها في ٣٠ديسمبر ٢٠١٩ على موقع كوارتز أحصت آناليزا ميربلي المتخصصة في الجغرافية السياسيةgeopolitics ٢٠ دولة في العالم باتت محكومة بحركات شعبوية خلال السنوات القليلة الماضية في حين هناك ١٣ دولة أخرى(من بينها العراق)بات الشعبويون يلعبون فيها دوراً محورياً في صنع السياسة!
هذا الأنتشار السريع للشعبوية كان أحدى أرهاصات نهاية العولمة الأقتصادية كما نعرفها الآن.ولأنني مدرك أن لا بديل عن العولمة فأتوقع حصول تغييرات تصحيحية شاملة شبيهة بما أقترحه العالم الاقتصادي كينز للرأسمالية كنظام اقتصادي بعد أزمة الكساد العظيم في ثلاثينات القرن الماضي.
المفارقة الآن في رأيي تكمن في أن الشعبوية التي استفادت من قصور العولمة ستعاني كثيرا وستنحسر نتيجة عجز النظم الشعبوية وقادتها في التعامل مع تداعيات أزمة كورونا. لقد لاحظ عالم السياسة فوكوياما في حوار نشر له يوم ٢٢ هذا الشهر التشابه الكبير في عقلية الحكم وأتخاذ القرار والتعامل مع كورونا بين النظم الشمولية كالصين وأيران والنظم الديمقراطية المحكومة بقادة شعبويين كأمريكا. فالقادة الشعبويين مثل الشموليين يتميزون بذات العقلية التي تهتم بالصورة التي يرسمها الناس لهم بدلاً من الحقائق على الواقع.
ولأن النظم الشمولية أثبتت فشلها عبر التاريخ،فلست معنياً بمناقشة حالتها هنا،لكني معني بمناقشة أسباب فشل النظم الشعبوية(والتي هي وجه آخر من العقلية الشمولية) في الاستجابة لتداعيات كورونا.
تحاول الحركات الشعبوية تقسيم المجتمع الى مجموعتين متناحرتين،الاولى هي المواطن العادي (الذي تدعي تمثيله) والذي لديه حاجات ومخاوف يعجز النظام السياسي القائم عن الأيفاء بها. قد تبدو الفكرة جذابة إذ أن الديمقراطية تعني في النهاية تمثيل المواطن العادي والاستجابة لحاجاته.لكن القادة الشعبويين يستخدمون هذا الشعور لخلق جو من الصراع والعداء مع النظام،ومع المؤسسات والنخب وكل من لا يؤمن بمخاوفهم المبالغ فيها دائماً.لذلك وجدت الدراسات الاجتماعية أن أكثر الشعوب التي ناصرت القادة الشعبويين هي التي لديها شعور عال بالخوف من الغريبxenophobia وأقل معدلات الثقة بالآخر.فالشعبوية تبنى على المشاعر السلبية التي يثيرها الخوف من الآخر والتشكيك بمايريد.هذا فضلاً عن ان القادة الشعبويين يميلون دوماً لتجسيد فكرة الفرد المخلصsavior بدلا من النظام والمؤسسات. لذا فهم لايحتاجون للمؤسسات لأنها فاسدة وهم الأطهار الأنقياء.وهنا يكمن التشابه بين القيادات الشعبوية والقادة الشموليين والدكتاتوريين بل والنظم الشمولية التي تؤمن أن كل معارض هو شيطان فاسد رجيم يجب التخلص منه.
لكن السؤال الذي اريد الاجابة عنه هنا:لماذا فشل القادة الشعبويون في الاستجابة لمتطلبات أزمة كورونا؟الإجابة تكمن في الآتي:
١.لأنهم قادة خوف،فهم يبنون شعبيتهم على تخويف الناس من بعضهم.ولأن كورونا لاتفرق بيننا وبين الآخر فلن يكون هناك أي منطق في حشد الناس على أساس الخوف من الآخر بخاصة وأن الناس في مواجهتها مع كورونا تختبر الموت الجماعي وهو بالتأكيد أشد قسوة من أي خوفٍ آخر.
٢.على الرغم من أن التباعد الأجتماعيsocial distancing هو أهم وسيلة للوقاية من المرض الا أن ما أتاحته وسائل التواصل الأجتماعي من أمكانية متابعة مايحصل من مآسي في كل مكان،بخاصة في ظل الوقت المتاح للمشاهد نتيجة العزلة،أثار مشاعر الناس وجعل الشعور بالتضامنsolidarity يطغى أحيانا حتى على الشعور بالخوف وهذا المنطق معاكس تماماً لمنطق الشعبوية.فبدلاً من الخوف من الآخر بات الناس يشفقون عليه ويتعاطفون معه!
٣.الشعبويون يسوقون الوهم للناس من خلال رسم صورة المخلص عن أنفسهم في حين أن إمكاناتهم الفعلية أقل بكثير ممايدعون.هم في الواقع مثل الساحر او الدجال الذي يبيع الوهم لجمهور يريد شراء هذا الوهم.لكن عندما يواجه حقائق العلم والحياة ينفضح أمره ويبدو على حقيقته كشخص مخادع.
٤.الشعبويون يبنون مقارباتهم الفكرية على نظرية المؤامرة وعلى وجود من يتربص بالشعب الفقير الذي يريدون خدمته وتخليصه ممن يعاديه!هذه المقاربة يصعب تسويقها عندما تعم جائحة مثل كورونا لاتستثني دولة او مجموعة ما.فالجميع يعاني من الوباء،بل وستبرز الحاجة للتعاون ونبذ الخلاف لمواجهة الخطر الداهم الذي لا يفرق بين الجميع.
٥.الشعبويون ليسوا لاعبي فريق ويحاولون دوماً أن ينتقصوا بل ويقوضوا مؤسسات الدولة باعتبار انها من انتاج النظام المعادي للشعب.وفي وقت ألأزمات الكبرى تكون الحاجة ماسة لعمل مؤسسي وتعاوني وليس للعمل الفردي أو القائد الاستعراضي.كما تبرز الحاجة للاستعانة بالخبراء وليس المهرجين والمتنطعين فهؤلاء وحدهم القادرين على إخراج الناس مما يواجهوه.
لقد مر العالم بأزمات على مدى تاريخه،كان الانسان قادرا في كل مرة على تجاوزها بالمنطق وبالعلم لا بالخرافة والوهم.كما مر العراق بأزمات كبيرة كان آخرها الأزمة المزدوجة لداعش وأنخفاض أسعار النفط. وكما عرّت تلك الأزمة قادة الوهم من الشعبويين الذين أعتمدوا في سياستهم على تخويف العراقيين من بعضهم البعض وأسقطتهم للأبد فأن هذه الأزمة بلاشك ستسقط ماتبقى من شعبويي العراق وتعيد الهيبة للدولة ومؤسساتها.





