. بقلم أنتوني كوردسمان. مسودة عمل: 1 نيسان 2021 ، يرجى تقديم التعليقات إلى acordesman@gmail.com

  تشير التقارير الصحفية إلى أن الولايات المتحدة ستعقد قريباً إجتماعًا آخر مع العراق بشأن إقامة نوع من العلاقات الإستراتيجية المستقبلية. و ما لم يضع هذا الإجتماع فاصلاً دراماتيكياً مع الماضي ، فسيكون فشلاً ذريعًا وسيزيد من تقوية الإنقسامات العراقية والنفوذ الإيراني أكثر من أن يخدم المصالح الأمريكية والعراقية أو أن يساعد في تحقيق أي نوع من الأمن والإستقرار في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

  هناك اثنا عشر سببًا أن الولايات المتحدة قد تفشل، وكل تلك الأسباب هي قضايا فشلت الولايات المتحدة حتى الآن في معالجتها على المستوى الإستراتيجي الكلي:

التفكيربطريقة تكتيكية عوضاً عن الإستراتيجية: بدءاً بعام 2003 فصاعدًا ، ركزت الولايات المتحدة على التعامل مع التهديد الآني ، بدلاً من التركيز على تكوين وحدة عراقية وتنمية وقدرات دفاعية طوال المدى. لقد تحدثت الولايات المتحدة عن خطط مدنية عسكرية متكاملة بالإضافة إلى أهداف مدنية وأمنية أطول مدىً ، لكنها ركزت في المقام الأول على التعامل مع التهديدات المتطرفة بدلاً من وضع بعض الخطط الفعالة طويلة الأجل لإنشاء جيش عراقي وأمن داخلي و قوات شرطة ذوات تأثير، بالإضافة إلى نوع من برامج المساعدة الإقتصادية المصممة خصيصاً لتوحيد العرب من الشيعة و السنة كما الأكراد والأقليات تحت هيكلٍ للحكم أوحدٍ و فعال.

التقليل من أهمية العراق الإستراتيجية: فشلت الولايات المتحدة باستمرار في إعطاء العراق قيمته الإستراتيجية المناسبة. فقد ركزت على إشراك المتطرفين الإسلاميين بدلاً من دور العراق الحاسم في احتواء وردع إيران، و منع العراق من أن يصبح جسراً إستراتيجياً بين إيران وسوريا وحزب الله ، و هو ما من شأنه أن يربط العراق بدول الخليج العربي والأردن ومصر، و كذلك دوره في الحد من الضغط والتدخل التركي ؛ والحد من النفوذ الروسي والصيني. لقد خلطت الولايات المتحدة أيضًا بين خفض واردات النفط الأمريكية وتقليل الأهمية الإستراتيجية للخليج – على الرغم من أن الخليج يصدر حوالي 20٪ من النفط العالمي. فقد قللت من أهمية العراق الإستراتيجية بالنسبة للصين وروسيا وكذلك مدى أهميته في توفير تدفقٍ مستقرٍ للطاقة الممدودة للصادرات الآسيوية إلى الولايات المتحدة. تشكل هذه الصادرات الآن نسبة مهمة من التجارة الأمريكية والناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة..

التركيز على العدوِ الخطأ: كانت الولايات المتحدة بحاجة فعلاً إلى التركيز على المتطرفين الإسلاميين والقاعدة وداعش. ومع ذلك ، فإن التهديد الرئيسي كان و لايزال دائمًا إيران وتوسع النفوذ الإيراني وكيف ستتطور علاقات العراق مع سوريا – وهو تهديد بات متراكباً الآن مع دور روسيا في سوريا وكذلك جهود الأولى لتوسيع دورها في العراق والخليج. حيث فشلت الولايات المتحدة في فهم الأهمية العسكرية الإستراتيجية الكبرى للعراق ودوره المحتمل الدقيق في جلب الإستقرار والأمن إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ؛ كما كان الفشل في فهم حقيقة أن حكم العراق الفاشل والفاسد، والتوترات العرقية والطائفية الداخلية، والإنهيار الإقتصادي المتزايد، هم الأعداء الحقيقيين.

الدخول باندفاع والخروج باندفاع: كان غزو الولايات المتحدة في عام 2003 بدون خطة واضحة لمستقبل ما بعد الإطاحة بصدام ، وقد خططت في الأصل لعمليات إنسحابٍ كبيرة في غضون عام. و لم تضع الولايات المتحدة أبدًا خططًاً مستقرة للمستقبل عندما أوجدت حربًا جديدة مع المتطرفين السنة العراقيين. ثم هرعت للخروج من العراق في عام 2011 ، متجاهلةً العديد من الخطط المحدودة التي كانت قد وضعتها في عام 2010. ثم استغلت قوات داعش الإنسحاب الأمريكي الوشيك في عام 2011 وسيطرت على معظم غرب العراق. مما أدى ذلك لاحقاً إلى عودة الولايات المتحدة سريعاً ، فقط لتنسحب على عجلٍ مرة أخرى بمجرد تفكيك “خلافة” داعش في 2018. و لم يكن للولايات المتحدة سوى 3500 جندي إسمي موجود في ربيع عام 2021 ، على الرغم من أن الكوادر الناجية من مقاتلي داعش أصبحت نشطة بشكل متزايد ، كما ظهرت تهديدات جديدة من قوات الحشد الشعبي وإيران. و علاوةً على ذلك ، تركت الولايات المتحدة وراءها أعدادًا كبيرةً من قوات الحشد الشعبي السنية (العديد منها لها روابط بإيران)، و هذه مكنت إيران بشكلٍ فعال وزادت من التهديد للعدد المحدود من القوات الأمريكية وما تبقى من الأفراد الآخرين.

تقديم مساعدة أمنية غير منتظمة وسيئة التركيز: بعد الغزو في عام 2003، إعتمدت الولايات المتحدة إلى حدٍ كبير على قواتها العسكرية لمحاربة المجموعات العراقية المتطرفة الناشئة من 2004 إلى 2009، كما حصلت على مساعدةٍ وائتلافاتٍ حليفة. ومع ذلك، كانت الولايات المتحدة بطيئة للغاية في جهودها لبناء القوات العسكرية العراقية والقيادة الحكومية المناسبة، ناهيك عن إدارة هذه القوى. و في الفترة 2004-2009 ، كان للولايات المتحدة إعتماد أكثر مما ينبغي على التعزيزات الهائلة للقوات البرية الأمريكية. و لم ينجح هذا الحشد الأمريكي إلا لأن الحلقة الأولى من المتطرفين العراقيين كانت متشددة للغاية في التعامل مع نظرائهم السنة لدرجة أنهم أقصوا أجزاء كبيرة من سكان المجتمع. أدى ذلك إلى خلق العديد من المتطوعين السنة العراقيين المناهضين للتطرف مثل (أبناء العراق) ، ولعبوا دورًا رئيسيًا في هزيمة الحلقة الأولى من مثل هؤلاء المتطرفين. و عندما سحبت الولايات المتحدة معظم قواتها بشكل كبير و ذلك في عام2011، كانت القوات الحكومية العراقية لا تزال مجرد قوقعة جوفاء.

الفشل في الحفاظ على الدعم العسكري الأساسي وتدريب و مساعدة الجهود: بعد عودة القوات الأمريكية للتعامل مع داعش في عام 2014 ، ركزت الولايات المتحدة بشكل أكبر على تطوير القوات البرية العراقية وعلى نشر تدريب و مساعدة للجهود  في الخطوط الأمامية و التي كان من شأنها غالبًا أن تقدم الدعم مباشرةً للقوات البرية التابعة للحكومة العراقية عند القتال. أنشأت الولايات المتحدة مبادراتٍ جديدة مهمة مثل ألوية مساعدة قوات الأمن، والإستخدامات الجديدة للقوات الخاصة، وأفراد المخابرات لدعم الوحدات العراقية في القتال – مع الاعتماد بشكلٍ كبير على الضربات الجوية بدون طيار وأنظمة الإستخبارات. أدت هذه التحولات أيضًا إلى خفض تكلفة الجهود الأمريكية إلى مستويات أقل بكثير في الخسائر والدولار. ومع ذلك، لم تضع الولايات المتحدة خططًا طويلة المدى و لم تدرب أوتساعد الهياكل التي من شأنها أن تجعل القوات العراقية فعالة تمامًا بمجرد تفكيك “الخلافة”. كررت الولايات المتحدة أخطائها في فيتنام من خلال ترك القوات البرية والجوية العراقية تعتمد بشكلٍ مفرط على الدروع والطائرات القتالية الأمريكية التي لا يمكنها إبقائها. و هذا جعل القوات الحكومية العراقية أكثر اعتمادًا و بشكلٍ مطرد على الأسلحة الروسية وعلى الأسلحة القديمة التي استوردتها من الإتحاد السوفيتي. كما أنها لم تفعل شيئًا تقريبًا بعد عام 2010 للمساعدة في تطوير قوات شرطةٍ عراقية أكثر فعالية.

الفشل في التصدي لأسباب العنف الداخلي في العراق: فشلت الولايات المتحدة في فهم أن هزيمة الجولة الأولى من المتطرفين بحلول عام 2010 ، ثم العودة وتفكيك خلافة داعش لن يحققا أبدًا نتائج دائمة ما لم تتصدى الولايات المتحدة لأسباب التطرف العنيف بدلاً من آخر أشكال العنف المتطرف. حيث ركزت الولايات المتحدة بشكل شبه حصري على أعراض التطرف النشط حتى استبعدت تقريبًا التعامل مع العلة الفعلية: الإفتقار إلى التقدم المدني؛ و الإخفاقات في كل جوانب الحكم والفساد السياسي والمصالح الفئوية؛ وارتفاع مستويات التوتر و العنف الطائفيان والعرقيان. إنَ المغادرة في عام 2011 ، والعودة من أجل هزيمة “الخلافة” ، ثم المغادرة مرة أخرى بعد عام 2019 – مع استمرار نشاط العديد من مقاتلي داعش وبعد تمكين الميليشيات الموالية لإيران – كل ذلك أيضاً ساعد على رفع هذه المستويات من التوتر والعنف.

الفشل في التعامل مع الحكم والسياسة والفساد في العراق: لم تحقق جهود الولايات المتحدة لإعادة تشكيل العراق في صورته الأصل من عام تقريباً2003 إلى 2009 سوى القليل من النجاح الحقيقي أو التأثير الدائم. والأسوأ من ذلك ، أن هذه الجهود الأمريكية لمعالجة المشاكل المدنية في العراق قد تم استبدالها من عام 2010 تقريبًا فصاعدًا ببرامج مساعدات محدودة للغاية وسيئة التركيز. ربما حافظت المساعدات المالية على قدرة العراق على الوفاء بالإلتزامات المالية ، ولكنَ الأشكال الأخرى من المساعدات غالباً ما كانت تدار بشكلٍ سيء أو تُهدر أو تُسرق أو كانت فعاليتها محدودة للغاية. و بذلت الولايات المتحدة القليل من الجهد لجعل المساعدات وغيرها من أشكال الدعم مشروطة بالإستخدام السليم لها. ولم يتم إيقاف الدعم عندما ثبت أن العراقيين فاسدون وغيرُ فاعلين. كما أنها فشلت في استخدام المساعدات لخلق حوافز وخيارات قوية من المساعدة من أجل توحيد السنة والشيعة وكذلك العرب والأكراد.

الفشل في تقديم مساعدة إقتصادية كافية وفعالة ودعم الإصلاح الإقتصادي: لا يبدو أن الولايات المتحدة قد أدركت أبدًا أن الإستقرار الإقتصادي والتنمية في العراق كانا النصف الثاني الحاسم لأي جهد أمني هادف. إنَ الإصلاح والمساعدة الإقتصاديان لا يقلان أهمية – إن لم تكن أهم – عن إصلاح ومساعدة القوات الأمنية. كما أنها أداة ممكنة مهمة في توحيد السنة والشيعة وكذلك العرب والأكراد، و في الحد من القوى المؤثرة التي تشكل الفساد، وخلق وظائف جديدة، وكسب التأييد الشعبي للحكومة والحد من الإحتجاجات الشعبية، و في تقويض جهود إيران وغيرها للسيطرة على أجزاء رئيسية من الإقتصاد العراقي.

التركيز على شراكة إستراتيجية أمريكية ضيقة تسعى إلى تحقيق الذات بدلاً من الإستقرار الإقليمي الهادف: تحتاج الولايات المتحدة إلى إدراك أنها لا تستطيع تحويل العراق المنقسم – العالق بين إيران وسوريا وتركيا ودول الخليج العربي الجنوبية – إلى شريك إستراتيجي واضح من النوع الذي تمتلكه الولايات المتحدة الآن مع دول الخليج العربي الجنوبية. حيث تحتاج الولايات المتحدة إلى التركيز على إنشاء عراق قوي ومستقل: عراق يتمتع بحكومة فعالة، واقتصاد متنامي، وقوات أمن كافية للتعامل مع كل من الأمن الداخلي وكذلك للردع و الدفاع ضد جيران مثل إيران وسوريا ما بعد الحرب الأهلية. هذه هي أفضل طريقة لتوحيد العراق، و للحصول على دعم عراقي واسع للجهود الأمريكية، والحد من نجاح إيران قدر الإمكان. مرة أخرى ، فإن تشجيع العراقيين للعمل بطرقٍ تعود بالفائدة على العراق هو الأرجح للنجاح.

الفشل في العمل على نحوٍ فعال مع حلفائنا: تتمثل إحدى الطرق الرئيسية للمساعدة في تحقيق هذه الأهداف العسكرية في جعلها متعددة الأطراف قدر الإمكان. إشراك الحلفاء الأوروبيين في جهود المساعدة العسكرية والأمنية – ولو وصل الحد إلى تنظيم دعمٍ عسكري لحلف شمال الأطلسي أو تدريب ومساعدة الجهود – لنزع فتيل استياء العراق من أخطاء الولايات المتحدة السابقة ولتوضيح أن الهدف النهائي قد كان عراقًا مستقلًا و أكثر قوة. حيث تتمتع دولٌ مثل فرنسا وإيطاليا أيضًا بخبرة أكبر بكثير في إنشاء قوات شبه عسكرية فعالة في التعامل مع تحدياتٍ شبيهة بقوات الحشد الشعبي العراقية. و تتمثل الطريقة الرئيسية الثانية لتحقيق مثل هذه الأهداف في تدويل المساعدة الإقتصادية على أساسٍ مستقر واستخدام البنك الدولي للمساعدة في التنمية الإقتصادية بدلاً من وزارة الخارجية والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية. لقد أصبحت الأمم المتحدة سياسية ومنقسمة للغاية بحيث لا يمكنها إدارة برنامج مساعدات كبير ، كما أن قوة الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في الإغاثة ومشاريع المساعدات لم يسبق لها أمر مثيل في جهودها الحديثة في مجال التنمية الإقتصادية والإصلاح. و سيتعين على البنك الدولي تعديل جهوده للتركيز على الحوكمة وتقليل الإنقسامات العرقية والطائفية في العراق، حيث سيتعين عليه فرض الشروط على المساعدات طالما ظل العراق فاسدًا كما هو عليه اليوم. ومع ذلك ، يبدو أن البنك الدولي لديه مقاربة واقعية للتعامل مع برامج الحوكمة والإقتصاد والتنمية في العراق ، وقد طور بعض التقييمات الممتازة للمشاكل الإقتصادية الهيكلية الحرجة في العراق. و يعتبرهذا أيضًا مجالاً قد تتمكن فيه الولايات المتحدة من العمل مع الإتحاد الأوروبي – مع التركيز على إمكانية تحقيق الأهداف المشتركة ، بدلاً من بذل جهود متفرقة.

أن تفهم الولايات المتحدة أنها تواجه ثلاث مجموعات من الأعداء وليس واحدة فقط: أخيرًا ، تحتاج الولايات المتحدة إلى تعلم درسٍ كان ينبغي أن تتعلمهُ منذ تدخلها في الفلبين في الفترة من 1899 إلى 1913 ، وهو درسٌ كان يجب أن تتعلمه بالتأكيد من خوض حرب فيتنام. إنَ التركيز على إستراتيجيةٍ كبرى ونتائج طويلة الأمد أمرٌ بالغ الأهمية لتجنب الحروب الطويلة التي ليس لها نهاية إيجابية. كما إنَ هزيمة العدو المباشر ليست سوى جزءاً من حملة لها نهاية إستراتيجية ناجحة كبرى. و تحتاج الولايات المتحدة إلى معالجة كل هذه الصراعات على أساس أنها تواجه ثلاث مجموعات من الأعداء وليس مجموعة واحدة فقط: العدو الأول هو التهديد الواضح الذي يشكله الخصوم المباشرون، و العدو الثاني هو نقاط الضعف والإنقسامات والفساد في الحكومة والقوات العسكرية للدولة التي تحاول الولايات المتحدة مساعدتها، أما الثالث فهو جهل أمريكا بالبلد والفشل في معالجة التعقيد للمهام المطلوبة ومنحنى معرفة تطوير طرقٍ فعالة لمساعدة دولة معينة على المستويين الأمني والمدني – بالإضافة إلى قدرتها على التنبؤ فيما إذا أمكن للتدخل الأمريكي أن يكون ناجعاً بالفعل. في كل هذه الحالات تقريبًا هناك حاجة إلى تغييراتٍ كبيرة في البلد المضيف على المستويين الأمني والمدني. إن السماح للدولة بالإستمرار في ارتكاب نفس الأخطاء من خلال القيام بالأمر “على منواله” لن يجدي نفعاً. ورغم ذلك ، فيمكن للولايات المتحدة أن تنجح فقط حيث تستطيع الدولة الأخرى أن تحقق تقدمًا حقيقياً في تغيير أهدافها وقيمها في نهاية المطاف. و تكاد الولايات المتحدة أن تفشل دائمًا عندما تحاول الإنتقال من تقديم مثل هذه المساعدة إلى محاولة تغييربلد آخر أو تغيير ثقافته.