منقذ داغر
دار جدل عميق بين الفلاسفة ، ورجال الدين وحتى العوام من الناس ومنذ نشأة الإنسان عن الحياة والموت. وكان واحداً من أهم الاسئلة المركزية هو : هل الحياة ممر للمات ، أم أن الممات نهاية الحياة ؟
معظم رجال الدين الإسلامي ومفكروه رسخوا لدينا ، كما فعل رجال الدين في الديانات الأخرى فكرة أن الحياة هي ممر للموت ، وأن الحياة الآخرة هي الحياة الخالدة. وبالتالي أشاعوا بيننا مفهوم حب الموت بدلاً من حب الحياة. وصار شعار (( جئناكم بأناس يحبون الموت كما تحبون الحياة )) مقدساً لدى الكثيرين. وكأحد المؤمنين الموحدين أرى أن الإيمان بوجود حياة أخرى خالدة هو ليس مريحاً للنفس فحسب بل مفيداً للسلوك الإنساني عموماً. لكن هذه الفكرة المركزية في الديانات السماوية والوضعية جرت المغالاة فيها وتشويهها لتصبح أداة لتجريد الحياة من إنسانيتها ،وضبط البشر ليتحولوا إلى قطعان مطيعة لسلطة الموت التي احتكرها رجال الدين.
فصارت الحياة دار شقاء ، وإمتحان ، وجوع ، وفقر ، بدلاً من أن تكون دار سعادة وراحة وازدهار وفرح. وبات على المؤمن أن يكون ممتحناً في ماله وعياله وصحته وسعادته كي يفوز بالآخرة السعيدة. وترسخ عند الكثيرين أن الإنسان لا يمكن أن يجمع بين سعادة الدنيا والآخرة !! وبذلك جرى ضبط (الرعاع) الذين يصرخون من ظلم السلطان وحاشيته ويريدون تغيير قدرهم ( البائس ) الذي كتب عليهم منذ ولادتهم !!
يقول أحد الفلاسفة المعاصرين أنه ورغم التقدم العلمي الكبير الذي أحرزناه فإن هناك نسبة طبية واحدة لم تتغير وهي أن هناك معدل وفاة واحدة لكل إنسان. فالموت لا مفر منه ، لكن كم منا يتذكر الموت في حياته اليومية ؟ يعيش البشر عادة حالة إنكار للموت ولا يذكروه إلاّ حين يدنون منه. فحينها ، يدركون كم هي غالية وتستحق العيش حياتهم. في دراسة أجريت على عشرات الأشخاص الذين لم يتبق لهم من أيام حياتهم الكثير ، أعرب معظمهم عن ندمهم لأنهم عاشوا ليكونوا أفراداً في القطيع ولم يعيشوا لأنفسهم. عاشوا طبقاً لما توقعه الآخرون منهم ولم يعيشوا كما يريدون هم لأنفسهم. أن الإقتراب من الموت جعلهم يدركون أهمية حياة الفرد وبؤس حياة القطيع.
الحياة والموت لا يلتقيان إلاّ في نقطة واحدة وهي الوعي. فالحياة تجعلنا نعي أهمية الموت ، والموت يجعلنا نعي أهمية الحياة. وكما أن الحياة هي طريق للموت ، فإن الموت هو طريق للحياة. في النهاية فإن الله وهبنا حياةً واحدة لنعيشها نحن لا ليعيشها سوانا. وهبنا الحياة لنعيشها كبشرٍ ذي عقول لا كقطعانٍ وذيول. حب الحياة يجعلنا نعيش حياتنا دون أن نخسر بالضرورة مماتنا ، أما حب الموت فيجعلنا نخسر حياتنا دون أن يضمن لنا الفوز بمماتنا. وفي النهاية فإن الدين جاء لتنظيم الحياة،لأن الموت ببساطة لا يحتاج لتنظيم.





