منقذ داغر
كلما تحدثت مع اهلي أو اصدقائي في البصرة خلال الصيف اسهبوا في التحدث عن حرها الذي لا يطاق وجوها الذي ليس مثل حره شيء خارج وداخل العراق. ولأني عشت طفولتي وشبابي في البصرة،اتسائل مع نفسي ترى كيف كنا نطيق حر البصرة؟ بل كيف كنا نخرج لنلعب خارج بيوتنا في العطلة الصيفية! نعم كانت بيوتنا مبردة والكهرباء لا تنقطع،لكن ماذا عن لعبنا للكرة في الساعة الخامسة عصرا؟ ماذا عن لعبنا الخرز(الدعبل) اثناء الصباح وحتى الظهر حين يجبرنا اهلنا على العودة للبيت لاخذ القيلولة؟ والقيلولة في البصرة هي 2 الى 3 ساعات نقضي اول نصف ساعة منها في التظاهر بالنوم كي لا نتعرض للعقاب. أقول كيف كنا نتحمل كل هذا الحر دون ان يؤثر فينا او لنقل دون ان نشعر بوطأته؟ يقينا كان الجو افضل نسبيا،لكن هل ذلك بسبب ظاهرة التحول في المناخ والاحتباس الحراري فقط ام لاسباب أخرى؟ حقيقة لا اجد سبب مهم مؤثر في تخفيف سعير تموز وآب في المعقل سوى كثرة الغطاء الاخضر الذي يجعل من المعقل بستان بنيت المدينة في داخلها وليس مدينة جرت بستنتها!
كانت الحدائق في المعقل على نوعين،كبيرة وصغيرة. ففي كل منطقة توجد حديقة صغيرة كانت تفصل الشوارع عن بعضها وتوفر حويصلات خضراء تتنفس عبرها تلك الشوارع العريضة. مثلاَ كان شارعي النهروان واجنادين يلتقيان كما تلتقي دجلة والفرات لكن في حديقة نمرة 4 القريبة من دائرة الموانئ. هذه الحديقة كانت هي وحديقة فلكة الخمسين حوش مقرا لكل الفرق المحلية لكرة القدم. وهكذا ترى حدائق محيطة بالخمسين حوش وحي المهندسين والجينكم والمحطة وحي المركزي والابله وسواها. كما كانت هناك حدائق صغيرة في كل مدرسة تقريبا. هذا فضلا عن ان جميع الشوارع كانت مشجرة بالاثل والنخل(الزهدي). اذكر جيدا اننا كاطفال كنا نعاقب يومياَ لان احذيتنا تكون مليئة ببقايى التمر الزهدي المتساقط على الارض في موسم التمر.
أما الحدائق الكبيرة العامة فكانت المعقل اشبه بمثلث اخضر تحتل كل زاوية من زواياه الثلاث حديقة عامة كبيرة ونظيفة
تمت هندستها بطريقة غاية في الروعة والجمال.على جانبي قاعدة المثلث كانت تقع حديقتي (شفقة العامل) والاندلس. شفقة
العامل سميت نسبة لبناية المقهى الصيني(البعض يسميه الياباني) والتي يعلوها سقف قرميدي يشبه سقوف المباني الصينية
التقليدية. نظرا لان هذا السقف شبيه بغطاء الرأس الذي كان يرتديه عمال الموانئ لوقايتهم من الشمس اللاهبة اثناء العمل في
الاماكن المكشوفة فقد اطلقوا
على المقهى اسم شفقة العامل وصارت الحديقة الكبيرة المحيطة بها تسمى شفقة العامل. هذه الحديقة كانت تقع بين حي
المركزي والخمسين حوش وغالبا ما ترتادها العوائل الساكنة في هذين الحيين او الذين يتبضعون من سوك خمسين حوش(السوق
الرئيس في المعقل) اواولئك الذين ينتظرون او يزورون مرضاهم في مستشفى الموانئ القريب.
ارتبطت حديقة الاندلس في اذهاننا بشيئين،بلاد الاندلس والتحضير لامتحانات نهاية السنة. ففي منتصف تلك الحديقة الرائعة
الهندسة والجمال هناك بناء مفتوح استوحيت عمارته من العمارة الاندلسية وكان مزخرفا بالزخارف الاندلسية ذات اللون
الازرق الفيروزي الرائع.هذه الحديقة التي كان يحيط بها جامع السيد الحكيم من الشمال وجامع العثمان من الغرب في مزيج
من القدسية غير المطّيفة لم تكن فقط مقصدا لجميع العوائل البصرية بل ايضا موئلاَ لطلاب الاعدادية (وبالذات البكلوريا)الذين
يمضون فيها ليلهم للقراءة. هذا يعني ان هذه الحدائق كانت مضاءة بشكل كاف للقراء هناك،وانها تتمتع بالهدوء والمناخ
المقبول للقراءة.
أما الزاوية الشمالية الغربية من المعقل فكانت لحدائق السندباد(كانت تسمى حدائق رشاد ثم اسماها الانكليز جزيرة الفحم).
ويبدو ان الاحتلال الانكليزي كان يستخدم هذه الجزيرة لتخزين الفحم الذي هو مصدر الطاقة الرئيس عندما احتلت البصرة
وبني ميناءها.هذه الحديقة الرائعة والتي تحتل جزيرة صغيرة كان يمكن الوصول لها من خلال جسر خشبي هندسته
جميلة(جسر هيل نسبة لمهندسه)،شهدت تطورا كبيرا في عهدي الباشا مزهر الشاوي مدير الموانئ في العهد الجمهوري
الاول،وفي عهد المهندس عدنان القصاب الذي كان مديرا للموانئ في بدية السبعينات.هذه الحدائق(الجزيرة) كانت بدورها
في وسط مربع سياحي جميل يتمثل بمدينة الاعراس والكازينو العائم ومطار شط العرب ويخت الثورة(الملكة عاليه سابقا).
سأتحدث بايجاز عن
كل من هذه المعالم الاربع في الحلقة القادمة وعلاقة هذه الحدائق والاماكن بالاجتماع المعقلي البصري.





