منقذ داغر

اذا كان يخت الثورة الذي تحدثت عنه في الحلقة الماضية هو قبلة النخب التي تزور البصرة،فأن في مربع جزيرة السندباد الذهبي ما يمكن ان يكون مقصداَ سياحياَ وجمالياَ لفئات اخرى من العراقيين. وهنا اسأل جميع من تزوجوا في فترة السبعينات من القرن الماضي من الطبقة الوسطى في العراق،أين قضيتم أو كنتم تتمنون أن تقضوا شهر العسل؟ يقيناَ هناك نسبة كبيرة ستجيب،مدينة الاعراس في جزيرة السندباد! لقد بدأت النهضة العمرانية الحقيقية لجزيرة السندباد في عهد المرحوم مزهر الشاوي مدير عام الموانئ في بداية الستينات. وتضمن مشروع تطوير الجزيرة (في نهاية الستينات) بناء قرية من الشقق السكنية على طرازمعماري حديث في الركن الشمالي من الجزيرة ترتبط بها حدائق غناء وكازينو حديث ومدينة العاب صغيرة. هذه الشقق كانت اشبه بفندق خمس نجوم مخصص لقضاء شهر العسل والاجازات القصيرة والتمتع بطبيعة الجزيرة الخضراء بخاصة في فصلي الربيع والشتاء. آنذاك لم يكن أحدا يعرف(زرق ورق) دبي ولا أي مشتى سياحي في المنطقة سوى البصرة. وأذكر كيف ان أقربائنا ومعارفنا كانوا يطلبون من اهلي التوسط لحجز غرفة لهم في مدينة الاعراس التي بنيت فيما بعد مدن وقرى سياحية مماثلة لها في بغداد وبعض المحافظات.وحتى بعد ان تم بناء المرحلة الثانية من الشقق وتضاعف عددها لم تكن قادرة على استيعاب كل الطلبات نظرا لجمالها وتوفر كل وسائل التسلية والراحة التي تتيح قضاء شهر عسل لا ينسى فيها. ففضلا عن الشقق الفخمة والخضرة الدائمة والماء الحيط بالجزيرة فان ما فيها من كازينوهات والعاب كان يجذب معظم سكان البصرة الذين تغص بهم حدائقها بخاصة بعد المغرب. ومما ساعد في رواج مدينة الاعراس انه لم يكن يفصلها عن مطار البصرة الدولي سوى جسر(هيل)الخشبي الجميل. فكانت الوفود(بضمنها وفد مهرجان المربد بشعراءه العرب الكبارفي 1971 )والوفود الرسمية الاخرى والعرسان كانوا يقصدونها عن طريق الجو،او حتى عن طريق القطار الذي لم تكن محطته تبعد اكثر من عشر دقائق بالسيارة.
هنا أشعر أنه لابد ان اعرج على الضلع الاخر في المربع الذهبي المحيط بجزيرة السندباد وأقصد مطار شط العرب وفندقه الرائع. ذكرت سابقا ان مطار شط العرب كان من اكبر واوائل المطارات في المنطقة. وعندما انشأه الانكليز في بداية العقد الثالث من القرن الماضي كانوا يدركون اهمية موقع البصرة الرابط بين الشرق والغرب. لذلك فقد كانت هناك 9 شركات طيران عالمية(مثل بان اميريكان) تسير رحلات بين البصرة واهم مدن العالم،في الشرق الاوسط واوربا واستراليا وامريكا. وحينما جيء بالمهندس البريطاني الذي صمم الفندق الرائع في بومباي ليبني واحدا مثله ملحقا بمطار شط العرب،صمم ان يدخل بعض اركان الهندسة الاسلامية على مبنى مطار شط العرب فكانت الاقواس والقبب والموزائيك الفيروزي والطابوق البغدادي، أهم مايميز بناية الفندق الذي تتسع مبانيه لاكثر من 100 غرفة وجناح جميعها مكيفة ومزودة بحمامات خاصة. كما كانت ارضيات الفندق مكسوة بالباركيه اللماع. وأذا كنتم تعتقدون ان ذلك امر طبيعي الآن فأنه لم يكن كذلك آنذاك،اذ لم يتعود العراقيون ،لا بل حتى الانكليزمثلهذا المستوى من الترف والانفاق في البناء. حتى ان انتقادات كبيرة وجهت من الحكومة البريطانية الى وزارة المستعمرات بسبب هذا الانفاق الهائل على بنايتي المطار وفندقه وكذلك بناية مقر الموانئ!لم يكن فندق شط العرب بشرفته الواسعة المطلة على مدرج المطار مجرد فندق بل كان معلما سياحيا يقصده الجميع للاستمتاع بما يتم تقديمه من خدمات بضمنها مسبحه الصيفي الجميل والحدائق المحيطة به. أما كافتيريا الفندق ومطعمه فقد كانا مقصدا للعوائل في المعقل والبصرة،وكيف لي ان انسى ان والدي رحمه الله كان يصطحبنا انا واخوتي كلما يعود من البحر ليعوضنا عن الايام الطويلة التي فارقنا فيها فتكون مثلجات(آيس كريم)فندق شط العرب أفضل مكافأة تعويضية لنا. كما كانت هناك اسبوعيا حفلة في الفندق يحييها كبار النجوم العراقيين والعرب وتقدم فيها ارقى بوفيهات الطعام الشرقي والغربي. لقد كان هذا الفندق والميناء الجوي الذي يستقبل حتى الطائرات المائية عبارة عن تحفة معمارية تحتضنه مياه شط العرب من الشرق ومشتل الموانئ المليئ بالزهور والنباتات ذات العطور الزكية من الجنوب. وكان يكمل مثلث النقل المحلي والدولي في المعقل(المطار،الميناء وسكة الحديد). كل هذه المرافق كانت في مدينتي (المعقل) وضمن محيط لا يتجاوز الكيلومتر الواحد محاطة بطبيعة خلابة وهندسة رائعة ونظافة متناهية وخدمات راقية! انها المعقل..وهل خلق الله مثلك في الدنيا أجمعها(مع الاعتذار لبغداد ولكاظم الساهر).
وقبل ان اختم هذه الحلقة أود التذكير انني لا اقصد بهذا الوصف التاريخي لمعالم المعقل والبصرة ان اكون مؤرخاَ. ففضلا عن انه ليس اختصاصي فاني قد ابالغ او أنسى بعض الاشياء أحيانا لأني انزف ذكريات الطفولة كما عشتها لا كما عاشها سواي.لكن قصدي الاساس مما اكتبه سبر وتحليل الوقائع الجغرافية والعمرانية التي ساعدت على خلق الشخصية البصرية والمعقلية المدنية كما عرفتها.أن كل هذه المعالم الحضارية التي كانت تغص بها ماركبل(المعقل) كانت تشكل البنية التحتية الاساسية للحياة الاجتماعية المبنية على التعايش مع الاخر وقبوله والثقة به. هذه الثقة التي لا يمكن ان تنمو الا في أجواء صحية يساعد فيها العمران الحضري على تعزيز العمران البشري.
في الحلقة القادمة ان شاء الله ساتحدث المزيد عن مصانع الثقة المجتمعية في المعقل كما عرفتها علنا نستفيد من تلك التجربة لبناء الثقة المجتمعية التي باتت نادرة في عصرنا هذا.