منقذ داغر
حينما دخل المستعمر الانكليزي للبصرة عام 1914 شاهد مدينة عامرة بالحياة والتجارة،لكنها بائسة بالتقدم والحضارة. تؤكد الموسوعة البريطانية لعام 1911 ان مساحة البصرة كانت 16.470 ميل مربع،ويسكنها 200000 نسمة (اي ما يعادل 8% تقريبا من نفوس العراق)،وغالبية سكانها من العرب المسلمين مع 6000 مسيحي و 4000 يهودي وقليل من المندائيين.وتقول الموسوعة ان البصرة هي الميناء الاكبر عالميا للتمور التي تعد الافضل.كانت هناك رحلات بحرية اسبوعية منتظمة للهند وتركيا وان الصادرات السنوية للبصرة حوالي مليون باون(اي ضعف صادرات ولاية بغداد). وكانت هناك قنصليات لكل من بريطانيا وفرنسا وروسيا في البصرة.
مع ذلك فأن البصرة كانت تعاني على ما يبدو من الناحية العمرانية حيث ادرك النقيب المهندس ميدوز المكلف بتطوير وتحسين البصرة انه ليس هناك الكثير ليفعله للمدينة القائمة لكي تستفيد منها قوات الاحتلال،ولذلك تم التفكير بانشاء مدينة جديدة تحيط بالميناء لا لتمثل معسكرا للقوات بل لتكون عقدة مواصلات استراتيجية ومنطقة خدمات لوجستية ومقر أقامة لكل من يعمل في الميناء ويديره. تم جلب المهندس البريطاني بوكانن لوضع مخطط المدينة الجديدة عام 1915 والذي تفاجأ بما رآه عند وصوله للبصرة فقال(لم اشاهد في حياتي مثل هذه الفوضى والاوحال،واتسائل ماذا كنا نفعل طوال السنة الماضية منذ احتلالنا للبصرة)؟ الا انه كان يدرك اهمية موقع البصرة واحتمالات تطورها فاستدرك قائلا:(ستكون البصرة في القريب أعظم ميناء في الشرق الاوسط-وقد اصبحت كذلك فعلا فيما بعد- وستدرك الهند التي كانت جوهرة التاج البريطاني،أن بلاد مابين النهرين وفارس سيكونان اعظم سوقين لمنتجاتها).هذا القول يختصر نظرة من صمم (ماركيل) وميناءها ويؤكد ان المعقل بنيت كمدينة للمستقبل لا للحاضر حسب.
ونظرا لافتقاد البصرة على مايبدو للخبرات والمهارات التي يتطلبها عمل معقد وكبير كبناء الميناء ومدينة كبيرة محيطة به كالمعقل (او ربما لعدم ثقة البريطانيين برجال الاعمال في البصرة آنذاك)، فقد تم التعاقد مع مقاول صيني عمل مع البريطانيين في ميناء بومباي،وباشر بالعمل الفعلي عام 1916. تم جلب 4000 عامل ماهر و1000 عامل اسيوي غير ماهر(من سنغافورة،هونك كونج وشنغهاي) للعمل في المشروع الضخم. وهؤلاء هم الذين سكنوا فيما عرف فيما بعد بالحي الصيني (الجينكم)الجميل الذي سكنته اسرتي فيما بعد، وانطلقتُ منه في رحلة ذكرياتي عن المعقل.كما تم جلب 25000 عامل هندي لانجاز المشاريع العسكرية وما يرتبط بها،وكذلك 10000 هندي للعمل في مشاريع الري والبزل والصرف الصحي،و2000 هندي آخر لمشروع سكك الحديد الممتد من الميناء شمالا.هذه الاعداد الكبيرة من الهنود العاملين في البصرة والمعقل بقي منهم الكثير بعد الاحتلال وشكلوا جاليةً كبيرةً لها مطاعمها المشهورة(وبخاصة السمبوسة البصرية التي لم لجد مثلها حتى في الهند)،ولهم اسواقهم التي مازال سوق الهنود شاهداً عليها.لذلك فأن احدى مشاهد شريط ذكرياتي عن البصرة عموما هو ان كثير من كبار السن في الستينات كانوا كسكان الخليج العربي الان،يجيدون اللغتين الهندية والانكليزية حتى وان كانوا اميين.وكانت هناك محلة مخصصة للهنود في المعقل وهناك اكثر من مطعم وخياط هندي في سوقها(الخمسين حوش).هذا فضلا عن استخدام الاف الاسرى الاتراك في بناء المعقل ايضا. ولعل شط الترك في المعقل شاهدا ماثلا للان على إسهام الاتراك في بناء المعقل.أما مواد البناء المستخدمة في بناء الارصفة،وبخاصة الصاج، فجُلبت من الهند وبورما. وهنا اذكر ما قاله لي مدير عام الموانئ الاسبق عن حالة الخشب الصاج الذي استخرجوه من احد ارصفة ميناء الفاو القديمة في بداية الالف الثانية(اي بعد حوالي 100 سنة من وجودها في اعماق مياه الفاو المالحة) إذ وجدوها مازالت جيدة وغير متآكلة!
هذه الاعداد الكبيرة من العاملين(اكثر من 50000 عامل وبما يعادل ربع سكان البصرة كلها) في مشروع واحد،والتي لم يألفها البصريون من قبل لا بد انها خلقت حالة من التفاعل الانساني والاجتماعي بين البصريين وبينهم. فالبصرة آنذاك كانت خليطا امميا مشابها لما نشاهده الان في معظم دول الخليج العربي.كما ان التكنولوجيا واساليب العمل الحديثة المستخدمة آنذاك في بناء الميناء والسكك والمطار والاحياء السكنية،لا شك انها اثرت في الشخصية البصرية المنفتحة على العالم اساسا بسبب ميناءها وتجارتها.معلوم ان التعرض للتكنولوجيا واستخدامها هي من اهم عوامل التغيير الثقافي والاجتماعي التي يمكن ان تحصل لاي مجموعة سكانية.من جهة اخرى فأن مثل هذا العمل الضخم كان لابد ان يتطلب اعمال وخدمات محلية ساندة له. وهذا لا شك يستدعي ايضا هجرة البعض من مدن وقرى مجاورة للعمل في المشروع.هذا كله خلق بيئة تفاعل اجتماعي وانساني غنية انعكست فيما بعد على شخصية البصريين وثقافتهم وهذا ما ساتطرق له تفصيلا في الحلقات القادمة.