منقذ داغر
سؤال قد يبدو غريباً لغير المختصين،لكن العراق الذي يقف على شفا إفلاسٍ إقتصادي،لأسباب كثيرة لستُ معنياً بها هنا، يعاني موقفاً أخطر على الصعيد الأجتماعي إذ أن رأسماله الإجتماعي يكاد ينفد!
هناك ثلاث أنواع من رؤوس الأموال التي تمتلكها أي دولة وأي مجتمع : الأقتصادي،والثقافي،والإجتماعي. وإذا كان رأس المال الإقتصادي هو ناتج تراكم قيمة العمل الإنساني معبراً عنه بصيغة النقود كما يعتقد ماركس،فأن رأس المال الإجتماعي هو ناتج تراكم مجموعة واسعة من الأنشطة والعلاقات الإجتماعية التي يطورها مجتمع ما خلال مراحل تاريخية مختلفة من حياته. ويتم التعبير عن رأس المال الإجتماعي بصيغ مختلفة (منها شخصية ومنها جماعية)مثل شبكات العلاقات الإجتماعية،والمعايير الأجتماعية،والثقة،ومساهمة المجموعات المجتمعية المختلفة في شؤون السياسة والثقافة والاجتماع…الخ. وإذا كنت قد كتبت سابقاً عن أهمية الثقة بأعتبارها السمنت الرابط لكل العلاقات الإجتماعية،فأن رأس المال الأجتماعي هو الدماء التي تنتقل من خلالها كل مكونات رأسي المال الآخرين( الإقتصادي والثقافي)عبر المجتمع ومفاصله وبالتالي تنتج لنا دولة سليمة أو مصابة بالسرطان. فالعلاقات الاقتصادية ورأس المال الاقتصادي والثقافي يتم تداولهما من خلال الثقة،وشبكات العلاقات الأجتماعية،والمعايير الأخلاقية التي تحكم المجتمع، والتماسك الأجتماعي وغير ذلك من البُنى الأجتماعية غير الملموسة والتي نعبر عنها برأس المال الإجتماعي.
كتب الإعلامي الأمريكي الشهير فريد زكريا كتاباً مؤخراً أشار فيه الى الخطر المحدق بامريكا نتيجة تهالك رأس مالها الإجتماعي بخاصة في عقود مابعد السبعينات. وحذر من أن ماراكمته أمريكا من رأس مال إجتماعي عبر سنوات طويلة،قد تم إنفاقه أو إستهلاكه ودون تعويضه نتيجة الأزمات السياسية والأقتصادية والأجتماعية التي عانت منها أمريكا خلال العقود القليلة الماضية.
قياساً على ذلك،فأن ماعاناه العراق من (مصائب) وليس فقط أزمات أجتماعية وأقتصادية وسياسية وأمنية طيلة العقود الماضية قد أدى الى إستنزاف رأس المال الأجتماعي الذي أنفقنا منه الكثير للحفاظ على كيان المجتمع العراقي دون ان يتم تعزيزه أو تعويضه. ولنأخذ مثلاً شبكات العلاقات الإجتماعية في العراق،أو المعايير الأجتماعية التي تضبط حركة المجتمع،أو حتى الثقة بين الافراد والجماعات ونقيس منسوبها الآن مقارنةً بماكان متوفراً قبل أربعة عقود مثلاً! وهاكم بعض الأمثلة.ففي إستطلاعات الرأي العام العراقي التي أجرتها مؤسستي(المستقلة للابحاث) إنخفضت نسبة العراقيين الذين يثقون بالآخر من 40% الى حوالي 7% فقط،خلال العقد الماضي. كما زادت نسبة من لا يرغبون ان يكونوا جيرانهم من ديانة مختلفة من 28% عام 2014 الى 35% عام 2019، وقفزت نسبة العراقيين ممن لا يرغبون ان يكون جيرانهم من قومية مختلفة من 27.8% الى 32% لنفس الفترة!!
هذه الأرقام وسواها تؤشر بوضوح حالات الخوف من الآخر والزينوفوبيا وأنعدام الثقة المجتمعية،مما يعني تآكلاً واضحاً في رأس المال الإجتماعي العراقي الذي أن لم تجرِ معالجات حقيقية لأسبابه فإننا قد نصل لمرحلة الإفلاس الإجتماعي قريباً.
حين يتآكل رأس المال الإجتماعي فأن العلاقات الإقتصادية التي تقوم عل أساس الثقة والتعاون ستتآكل هي الأخرى مما يعيق أي تطور أقتصادي. كما أن الثقة بالمؤسسات السياسية وبالدولة عموماً ستهتز. لا بل أن رأس المال الثقافي سيتم التشكيك به هو الآخر. ولعل مظاهر تآكل رأس المال الثقافي لا تخطئها أي عينٍ في العراق.
أن هناك تساؤل طالما تم طرحه عن سبب قوة الأحزاب والتنظيمات الإسلاموية مقارنة بالأحزاب والتنظيمات السياسية الأخرى؟وعلى الرغم من التفسيرات الكثيرة الممكنة للاجابة على هذا التساؤل،الا انني اعتقد ان اهم ماتمتاز به هذه الجماعات هو قوة رأس مالها الإجتماعي الداخلي(ضمن الجماعة وليس الوطني). فهذه الجماعات تبني علاقات اجتماعية قوية بين أعضائها من جهة ومع المجتمعات الفقيرة التي تنشط وسطها من جهة أخرى،مستفيدة من حالة اليأس والتهميش والفقر والتخلف التي تعاني منها تلك المجتمعات. هذا بالضبط ما يقودني الى التعريج على أهم ما يمكن فعله لاعادة تراكم رأس المال الاجتماعي وتعويض ذلك الذي تم استنزافه خلال سنوات الأزمات الطويلة. وما سأذكره هنا هو مجرد إضاءات على أهم ما ينبغي البدء به فوراً اذا اردنا تجنب إشهار إفلاسنا الأجتماعي.
إن التعليم هو حجر الزاوية في عملية بناء الثقة المجتمعية والتي هي أحد أهم موجودات رأس المال الأجتماعي. ومالم يتم إصلاح المنظومة التعليمية بمختلف تفرعاتها وتجلياتها فسيصعب وقف النزيف الحاصل برأس المال الأجتماعي. تعزيز دور مؤسسات التنشئة الاجتماعية مهم جداً ايضاً. هذا يشمل تجديد الخطاب الديني وتنقية المؤسسات الدينية مماعلق بها من خطاب طائفي وشعبوي وتمييزي يسهم هو الاخر في تعزيز رأس المال الإجتماعي. إستعادة الحكومة لولايتها على مؤسسات الدولة والقضاء على نفوذ خفافيش اللادولة لابد منه لاستعادة الثقة والتماسك المجتمعيان. كما أن من المهم تشجيع كل ما من شأنه زيادة الإنهماك المجتمعي في شؤون الحياة العامة في العراق. وهنا تلعب منظمات المجتمع المدني والإعلام دوراً مهماً في تراكم رأس المال الإجتماعي. ولعل انتفاضة تشرين وما صاحبها من حراك يسهم في وقف النزيف الاجتماعي الذي نعانيه. لذا فأن من يعتقد أن إخماد تشرين وإحباط أهدافها ومرتكزاتها سيمثل حالة اجتماعية او سياسية ايجابية هو بلا شك واهم. وان ما سيفعله ذلك هو تعميق الجراحات التي تؤدي لاستنزاف رصيدنا المتبقي إجتماعياً. أخيراً فأن إستعادة الثقة بالقضاء وهيبته هي واحدة من أهم وسائل استعادة رأس المال الإجتماعي ايضاً.
ختاماً،فأن مايعانيه العراق حالياً،ليس فريداً جغرافياً أو تاريخياً،فقد عانت كثير من المجتمعات مما نعانيه،كما ان كثير من المجتمعات تعاني مانعانيه حالياً. ولعل تجربة عصر التنوير الاوربي وما صاحبها من تغييرات إجتماعية وثقافية وأقتصادية غيرت في بنية المجتمعات الاوربية مثال على ما يمكن فعله لتجنب الافلاس الاجتماعي. لقد خرجت المجتمعات الاوربية ممزقة ومستنزفة بعد مئات السنين من سيطرة الكنيسة والحروب الطاحنة بين الممالك والدول. لكنها أدركت أنها قد أفلست-إجتماعياً وليس سياسياً او إقتصادياً حسب- فأتجهت لتبني أفكار وخلق مؤسسات وإشاعة ممارسات مكنتها أخيراً من النهوض من ركام الافلاس وهذا ما نحتاجه لكن بطريقة عراقية صرفة.