منقذ داغر
منذ الغزو الامريكي للعراق،بدأ البعض بطرح فكرة ال(تطبيع) مع الكيان الصهيوني تحت شتى الذرائع. ولأيماني المطلق بأن الديموقراطية الحقيقية تقتضي السماع لكل الاراء ووزنها بميزان المقبولية الشعبية كون الشعب هو صاحب القرار،فقد عمدتُ ومنذ اكثر من عقد من الزمن الى استطلاع رأي العراقيين بموضوع ال(تطبيع) لمعرفة اتجاهات الرأي العام العراقي(بمختلف شرائحه وخلفياته) نحو هذه المسألة . وكانت فرق العمل الميدانية تواجه بكثير من الأسئلة والشك حول الغرض من مثل هذا السؤال عن (التطبيع)!وكان معظم من يستنكر السؤال عن رأي العراقيين بالتطبيع يقول ان هذه المسألة غير ملحّة ولا تحظى بأي اولوية في سلم هموم وقضايا العراقيين فلماذا نضيع وقتنا في مثل هذا السؤال. كان الجواب دوما ان اي مركز ابحاث علمي عليه ان يقيس اي ظاهرة بحثية،سواء سياسية او اجتماعية أو امنية قبل ان يقرر انها مهمة فتستحق مزيد من البحث،او انها غير مهمة من وجهة نظر الناس لذلك يتم تنحيتها جانبا لحين بروز اهميتها المجتمعية. لقد كانت اجابات العراقيين عن (التطبيع) تدل دوماً على عدم أهتمام حقيقي بالموضوع وكان هذا طبيعياً في ظل المشاكل الكبيرة والكثيرة التي ما فتأت تُمطر العراقيين بغيومها التي ترفض مغادرة سمائنا منذ عقود.
لكن مؤتمر(السلام والاسترداد) الذي عُقد قبل يومين في اربيل استفز ذاكرتي وأجبرني على العودة للسجلات والارقام كي أعرف مدى تمثيل من حضر ذلك المؤتمر سواء لمناطقهم أو للعراق عموماً. ولأنني اؤمن بلغة الارقام التي قلما تكذب او تخطىء فسأختصر كثيرا في الكلام لأدع الارقام تتكلم. فكما يبدو لكم من الشكل (1) ادناه لم يبدِ سوى قلة قليلة جدا من العراقيين موافقتهم على التطبيع مع (اسرائيل) طوال العقد الماضي. وعلى الرغم من حصول زيادة نسبية ضئيلة في نسبة المؤيدين للتطبيع من 1.7% سنة 2014 الى 6.8% سنة 2020 الا ان من الواضح ان كل العراقيين تقريبا يرفضون التطبيع،فمن يمثل هؤلاء الذين حضروا المؤتمر ياترى؟ أذا كان الجواب انهم يمثلون (السنة) كما حاولوا الايحاء بذلك، فأن الارقام التي لدي تكذب هذا الادعاء بشدة. يكفي النظر الى الشكل رقم( 2) لمعرفة ان نسبة (السنة) الموافقين على التطبيع تكاد لا تذكر. وعلى الرغم من ان النسبة ارتفعت لدى العراقيين بشكل عام سنة 2016 لتصل الى 9.7%،وبين السنة لتصل الى 15% تقريباً بسبب تداعيات احتلال داعش وحرب تحرير المناطق (السنية) الا ان النسبة عادت لتنخفض بشكل حاد في السنوات اللاحقة. فنسبة السنة الموافقين على التطبيع كانت 3.3% فقط عام 2020 بحيث مثلوا اقل (طوائف)المجتمع العراقي قبولا بالتطبيع.

يسمّي قاموس الجمعية النفسية الاميركية APA ظاهرة الهروب من الواقع -التي على ما يبدو يعيشها من دعى للتطبيع في مؤتمر اربيل- بانها (الطيران من الواقع flight from reality ).هذه الظاهرة النفسية تبدو شائعة كأحد آليات الدفاع التي تلجأ لها النفس البشرية حينما تواجه بواقع تعجز عن حله لذلك تلجأ للخيال Fantasy فبدلا من مواجهة واقعهم المليء بالمشاكل الامنية والخدمية والنفسية ومحاولة الوصول الى حلول ترى هؤلاء يحاولون الهروب الى الامام بالقفز فوق الواقع وتجاهل حقائقه لعجزهم عن حلها. وهنا لابد ان يقرع ذلك ناقوس الخطر امام الدولة ومتخذي القرار لكي لا يركنوا للاستنكار والتهديد والوعيد وشيطنة الاخر فحسب،بل ان يبحثوا في الاسباب التي جعلت الكرد يطالبون بالانفصال أولاً، ثم البصرة تطالب بالفيدرالية ثانياٍ،ثم السنة يطالبون بالفيدرالية ثالثاً،وبعدذاك يطالب الشباب في تشرين بوطن وأخيراً هذه الدعوة (التطبيعية) الغريبة! انا هنا لا اضع كل تلك الدعوات في نفس الدرجة او نفس السياق لكنني اشير الى وجود خلل هيكلي ووظيفي يجب معالجته. وان من يعتقد ان الشيطنة او العقوبات اوتحميل المؤامرات سبب ما يحصل او حتى انتظار الانتخابات يمكن ان يحل ما نحن فيه فهو واهم. لا شيء يمكن ان يمنع مثل هذه الدعوات،التي لابد ان تقسم العراق وتزيد من زمن الفترة المظلمة فيه، من ان تنمو وتروج سوى الاستعداد لقبول حقيقة ان النظام السياسي العراقي قد فشل في تجسيد ما تريده فئات الشعب المختلفة،وان الزمن قد حان لتقديم تنازلات جدية من الجميع وصولاً لما اسميته من قبل بال(الاتفاق الاعظم).