منقذ داغر
إستغرب الكثيرون من قرار فيسبوك لتغيير إسمها أو علامتها التجارية الناجحة لتصبح (ميتا) بعد أن قُدرت قيمة علامة فيسبوك في بداية هذه السنة ب 81 مليار دولار وحلت كرابع أغلى علامة تجارية بعد مايكروسوفت وسامسونج وولمارت!فإذا عرفنا أن صافي ارباح فيسبوك السنة الماضية بلغ حوالي 30 مليار دولار وان أرباحها بقيت مستمرة في الزيادة خلال السنين السابقة حتى بلغت نسبة الزيادة 43% في الربع الاخير من العام الماضي،فان الاستغراب من تغيير العلامة التجارية سيزداد!فكل المؤشرات التجارية كانت تشير الى نجاح منقطع النظير ،فلماذا أذاً أتخذت إدارة عملاق السوشيال ميديا مثل هذا القرار وهي تتربع على القمة؟! الحواب ببساطة يكمن في أن الشركة تريد ضمان نجاحها أستراتيجياً لعقود قادمة.فقد تعرضت سمعة الشركة خلال السنتين الاخيرتين لهزات نالت منها وادت الى استجواب رئيسها في الكونغرس بتهمة عدم المحافظة على سرية بيانات المستهلكين.كما أن هناك عدد من التقارير التي كُشف الغطاء عنها وتشير الى ان كثير من مستخدمي فيسبوك بدأوا باستخدام منصات أخرى مثل تكتوك.
لذا قررت الشركة المجازفة بخسارة علامة تجارية ناجحة وإستثمار مبلغ إضافي مقداره 10 مليار دولار للاعتراف انها أخفقت في بعض المجالات وانها مستعدة لإحداث إنعطافة إستراتيجية في مجال عملها والدخول فيما يسمى بعالم (الميتاڤيرس Metaverse) وهو مجال جديد وواعد(كما يقول مديرها ومؤسسها زوكربيرج)في السوشيال ميديا.
مايهمني من كل هذه القصة هو الاستفادة من الدرس الاستراتيجي الذي تقدمه لنا فيسبوك الناجحة. فكل منظمة سواء كانت شركة او مؤسسة أو حزب سياسي عليها مراقبة البيئة المحيطة وأدائها وزبائنها،فاذا أدركت ان الدنيا تتغير من حولها وان زبائنها يمكن ان يغادروها فعليها الاستجابة بسرعة والا أنقرضت. وهناك مئات القصص التي يحفل بها التاريخ القريب،فكلكم تذكرون شركة نوكيا مثلاً وما حصل لها. إن الانتخابات العراقية الأخيرة أكدت بشكل جلي ما بات يدركه الجميع منذ تشرين 2019 بأن البيئة السياسية قد تغيرت بشكل كبير. كما أثبتت أن جمهور الأحزاب التقليدية قد بدأ يغادرها أو غادرها فعلياً. لذا فبدلاً من أن تلعب لعبة الخاسرين التقليدية والمتمثلة بالقاء اللوم على الشيطان والتزوير والصهيونية وامريكا…الخ فأن عليها ان تقف وقفة شجاعة أمام نفسها وجمهورها وتقرر إحداث تغيير جذري لكي لا تنقرض. لقد نصحتُ رئيس أحد هذه الأحزاب أن يخرج على جمهوره ليقول لهم: (بغض النظر عن حصول تزوير او لا فان من الواضح ان هناك تغيير حصل في مزاج الناخب العراقي ولم ننتبه له. وأني كرئيس للحزب أعلن أني مع قيادة الحزب مسؤولون عن الخسارة).ثم يقوم باجراءات حقيقية لتجاوز الخسارة وجعلها من الماضي،ويتوقف هو او (محلليه وممثليه) عن القاء اللوم على الاخرين.قلت له انك لو فعلت ذلك فأني أضمن لك ان تكون نتائجكم في الانتخابات القادمة أفضل. وهذا ما يحصل فعلاً لدى كل الاحزاب العريقة في العالم عندما تواجه مواقف مماثلة.
الأعتراف بالاخفاق هو الخطوة الاولى للنجاح.وانكار الحقائق وعدم ادراك التغيير في البيئة هو الخطوة الاولى للانقراض.للاسف لم اسمع اي حزب لم ينل ما يعتقده مناسباً من المقاعد أعترافاً بانهم يتحملون(ولو جزء من) المسؤولية. كل ما سمعته ان هناك تزوير! خذوها نصيحة: الاحزاب لا تموت بسبب التزوير،انها تموت بسبب التغيير.





