منقذ داغر
في عددها الذي سيصدر قريباً،تنشر مجلة فورن أفيرز مقالاً مهماً ومشوقاً للبروفسور الصينية كاي زيا بعنوان (الحزب الذي فشل)

https://www.foreignaffairs.com/articles/china/2020-12-04/chinese-communist-party-failed

البروفسور زيا والتي تنحدر من عائلة ومن أبوين قياديين في الحزب الشيوعي الصيني منذ عشرينات القرن الماضي،انضمت للحزب الشيوعي الصيني حين كانت مراهقة وتدرجت فيه حتى باتت احد الاساتذة المنظرين للحزب وتدرس في مدرسة الحزب الشيوعي الصيني المركزية. وقد إضطرت لعدم العودة للصين من رحلة سياحية قامت بها لامريكا بعد ان ابلغها اصدقائها انه سيتم القبض عليها بسبب مقالات نشرتها وتنتقد فيها الممارسات القمعية للحزب.
المقال مشوق ليس لانه يلخص تجربة الحزب الشيوعي الصيني والتقلبات التي مرت به بخاصة بعد رحيل ماو ،بل لانه يلقي الاضواء ومن شخص مقرب على الطريقة التي يدير بها الحزب الشيوعي الحياة العامة وكيفية سيطرة جهاز الدعاية الصيني على كل شيء،وبخاصة في مقاومته لاي تغيير يحاول الاصلاحيون في الحزب القيام به وكذلك في تبرير القمع واللاديمقراطية هناك. وتضرب هنا مثالاً صارخاً،حين قاوم الحزب مقولتين شكلتا عصب الاصلاح الذي حاول الرئيس الصيني دنغ: الفقر لا يعني الاشتراكية،والتطور هو الحقيقة الصعبة.
وتقول زيا انه بات يبدو لها ان الحزب الشيوعي الصيني كان في حقيقته أقرب الى القمعية الستالينية منه الى الشيوعية الماركسية!!
مع ذلك فأن اكثر ما شدني في هذا المقال الذي أنصح بقراءته المقارنة التي عقدتها الكاتبة بين الصين واسبانيا،والتي يمكن استخدامها في تفسير ما يجري في العراق. ففي برنامج للتبادل العلمي زارت البروفسور زيا اسبانيا حيث تعرفت على مراحل التحول السياسي التي مرت بها اسبانيا. واسترعى انتباهها انه على الرغم من الرئيس ماو تسي تونغ رحل عن الدنيا بعد اشهر قليلة من رحيل الدكتاتور فرانكو عن اسبانيا،الا ان اسبانيا فعلت خلال مدة قصيرة ماعجزت الصين عن تحقيقه في عقود طويلة. فقد جرت عملية تحول ديمقراطي رائعة وسهلة في اسبانيا بعد سنين طويلة من الحكم الدكتاتوري هناك حتى باتت اسبانيا واحدة من الديمقراطيات المشهودة في العالم. وتعتقد زيا ان الفرق بين التحول في اسبانيا والجمود العقائدي في الصين هو ان ذلك التحول جرى بطريقة سلمية سلسة من خلال رجال اصلاحيين حقيقيين كانوا يضعون مصلحة اسبانيا فوق مصالحهم. اما في الصين فأن الحزب الشيوعي الصيني قاد ثورة مسلحة لتغيير الواقع. وهذا التغيير العنيف جعلت الحزب يعتقد انه صاحب الفضل الاول على الصين. وهو بذلك جعل اولوية بقاء ومصلحة الحزب فوق مصلحة الشعب والبلد. هنا تذكرتُ كل التغييرات التي حصلت في أنظمة الحكم في العراق من خلال العنف وآخرها تغيير النظام السياسي بعد الاحتلال. لكن المفارقة هنا تكمن في أننا يمكن ان نفهم استبداد جميع انظمة الحكم بعد انقلاب 1958 إذ قد يبدو مفهوماً-وليس مبرَراً- استبداد تلك الانظمة كونها قامت بالتغيير من خلال انقلابات عسكرية خططت لها ونفذتها بنفسها. لكن غير المفهوم هو استبداد الطبقة الحاكمة في العراق بعد 2003 والتي مارست وتمارس اشكال مختلفة من القمع المنظّم والاستبداد (المعمّم) لمنع اي عملية تحول ديمقراطي حقيقي في العراق. فهذه القوى التي جاءت في غفلة من الزمن وصلت للحكم راكبةً قطار الاحتلال ومعتليةً صهوته! مع ذلك ففي الوقت الذي يمكن تصور امكانية استمرار قمع الحزب الشيوعي الصيني لمدة أطول من الزمن(رغم ايماني بحتمية سقوطه في النهاية)، فأنه لا يمكن تصور بقاء القمع السياسي للديمقراطية في العراق لمدة طويلة لافتقاد هذه الطبقة الحاكمة للاساس الفكري،والمؤسسي، والشعبي والاقتصادي الذي تتمتع به قوى القمع الاكثر رسوخاً في العالم.