ترجمة وتعليق: رند داغر
المقال الأصلي بقلم ميشيل جيلفاند، أستاذة علم النفس في جامعة ستانفورد
نشر بتاريخ 23 مارس 2026

في هذا المقال، تقدّم عالمة النفس الاجتماعي ميشيل جيلفاند طرحاً تحليلياً يقوم على فجوة جوهرية في فهم ترامب لطبيعة السلوك الإيراني. جيلفاند، التي كرّست أكثر من عشرين عاماً لدراسة السلوك الاجتماعي عبر المجتمعات، وقادت أبحاثاً مقارنة واسعة تمتد عبر ست قارات وبأكثر من 22 لغة، تُعد من أبرز الباحثين في فهم الفروقات الثقافية وأنماط الاستجابة للضغط. وقد ألّفت عدداً من الكتب التي تتناول كيفية تشكّل القواعد الاجتماعية وتأثيرها على السلوك الجماعي.
تنطلق جيلفاند من فرضية أن الاستراتيجية التي يتبناها ترامب تقوم على افتراض اقتصادي مبسّط: زيادة كلفة الصراع على الخصم ستدفعه إلى التراجع. غير أن هذا الافتراض يتجاهل بُعداً حاسماً في تفسير السلوك في مجتمعات مثل إيران، حيث تتقدّم اعتبارات الشرف والكرامة الجمعية على الحسابات المادية البحتة.
ما يبدو من الخارج تعنّتاً أو لا عقلانية، هو في الواقع سلوك منسجم مع منظومة ثقافية راسخة، لها منطقها الداخلي وقواعدها الخاصة. الإشكالية، وفق جيلفاند، ليست في سلوك إيران بقدر ما هي في ما تشير إليه من عجز ترامب عن استيعاب هذا المنطق الثقافي.
مع دخول الحرب على إيران أسبوعها الرابع، تتصاعد في الولايات المتحدة تساؤلات حول غياب هدف واضح، وتراجع التماسك في التحالفات التقليدية، وتضارب الرسائل السياسية. وبينما يُؤطَّر الصراع باعتباره مواجهة على النفوذ والموارد، تُدار عبر أدوات الضغط الاقتصادي والعسكري، فإن الرهانات الإيرانية تعمل ضمن إطار مختلف يتجاوز المنفعة المادية المباشرة.
لطالما اعتمد هذا النهج على منطق بسيط: رفع الكلفة إلى حدٍّ يجعل التنازل الخيار الأقل خسارة. هذا المنطق يحقق نتائج في بيئات يكون فيها البقاء مرتبطاً بالحسابات المادية. لكنه يفقد فاعليته في مجتمعات تتأسس فيها المكانة والشرعية على مفاهيم الشرف والسمعة، حيث لا تُعد المعاناة الاقتصادية عاملاً حاسماً بحد ذاتها، بل كلفة يمكن تحمّلها. ففي ثقافات الشرف، يمكن تحمّل الجوع، لكن لا يمكن تحمّل العار.
في الثقافات القائمة على الشرف، تُدار الصراعات ليس فقط حول المصالح، بل حول المكانة والهيبة. الاستعداد لتحمّل خسائر مرتفعة لا يُعدّ سلوكاً غير عقلاني، بل أداة استراتيجية لإرسال إشارات ردعية واضحة. الإصرار على المواجهة حتى في ظروف غير مواتية يعزز المصداقية، ويؤسس لسمعة تُقلّل من احتمالات الاستهداف مستقبلاً.
تُرجع جيلفاند جذور هذه المنظومة إلى سياقات تاريخية اتسمت بضعف المؤسسات وارتفاع مستويات التهديد. في مثل هذه البيئات، تصبح السمعة بديلاً عن الحماية المؤسسية، ويتحوّل الردع إلى مسؤولية جماعية. مع مرور الوقت، تتحول هذه الأنماط السلوكية إلى قواعد أخلاقية مستقرة، حيث يُنظر إلى التراجع ليس فقط كخسارة، بل كإخلال بالواجب الاجتماعي. في الحالة الإيرانية، يتجسد هذا المنطق عبر مستويات متعددة: في البنية الاجتماعية، وفي الخطاب الديني، وفي الهوية الوطنية. وهو ما يجعل أي ضغط خارجي يُقرأ ليس فقط كتهديد مادي، بل كاختبار مباشر للكرامة.
تُظهر أبحاث جيلفاند أيضاً أن سوء الفهم بين الثقافات يتفاقم في سياقات التفاوض. فالخطاب البراغماتي المباشر الذي يُعدّ فعالاً في بيئات معينة قد يُفسَّر في مجتمعات أخرى على أنه افتقار إلى الاحترام أو تجاهل للاعتبارات الرمزية. النجاح في هذه البيئات يتطلب إشارات واضحة للنزاهة والاعتراف بالمكانة، وليس فقط عروضاً مادية.
في هذا الإطار، تبدو مقاربة ترامب إشكالية على مستويين: أولاً، لاعتمادها المفرط على أدوات الإكراه الاقتصادي والعسكري؛ وثانياً، لما تتضمنه من خطاب علني يمسّ بصورة مباشرة مسألة الشرف، عبر التهديدات المتكررة والدعوات إلى الاستسلام غير المشروط. في ثقافات الشرف، مثل هذا الخطاب لا يؤدي إلى الامتثال، بل يدفع نحو التصعيد.
المفارقة، كما تشير جيلفاند، أن ترامب نفسه يتقن هذا المنطق إلى حدّ بعيد في سلوكه الشخصي والسياسي؛ إذ يقوم خطابه على مفاهيم القوة، وعدم التراجع، والرد على الإهانة، وهي ذات الركائز التي تقوم عليها ثقافات الشرف. إلا أن هذا الإدراك يبدو أنه يُطبَّق بشكل انتقائي، يقتصر على ذاته، دون أن يمتد إلى فهم أن الطرف المقابل يتحرك ضمن المنطق نفسه. وهنا تحديداً يتجلى ما تصفه جيلفاند بعجزه عن استيعاب أن الآخرين، مثلهم مثله، لا يتعاملون مع الصراع كحسابات مادية فقط، بل كمسألة كرامة لا تقل أهمية.
بالتالي، لا يمكن تفسير السلوك الإيراني باعتباره فشلاً في الاستجابة للحوافز، بل باعتباره استجابة لمنظومة حوافز مختلفة جذرياً. فكلما ازداد الضغط، ارتفعت كلفة التراجع، لا العكس، ويغدو الصمود ضرورة للحفاظ على المكانة والسمعة. هذا التمييز أساسي لأي محاولة لصياغة سياسة أكثر فاعلية.
توصي جيلفاند بأن أي مقاربة ناجحة يجب أن تأخذ في الاعتبار الحاجة إلى إيجاد مخارج تتيح للطرف الآخر تعديل سلوكه دون أن يظهر بمظهر المنهزم. عملياً، يتطلب ذلك تقليل الاعتماد على الخطاب العلني التصعيدي، وتفعيل قنوات غير مباشرة، والاستعانة بوسطاء قادرين على فهم ديناميكيات الشرف وإدارتها.
التجارب التاريخية تدعم هذا الطرح. خلال أزمة الصواريخ الكوبية، أتاح كينيدي لخروتشوف مخرجاً غير معلن، ما سمح بإنهاء الأزمة دون كسر علني لأي طرف. وفي مفاوضات كامب ديفيد، ساهمت الوساطة غير المباشرة في تجنّب ضغوط التنازل العلني، ومكّنت الطرفين من تقديم الاتفاق كإنجاز سياسي.
الخلاصة أن إدارة الصراعات مع مجتمعات تقوم على ثقافة الشرف لا تعتمد فقط على حجم الضغط الممكن ممارسته، بل على القدرة على تصميم مسارات توازن بين الردع والحفاظ على الكرامة. السؤال الحاسم ليس: إلى أي مدى يمكن للطرف الآخر أن يتحمّل؟ بل: ما الذي لا يمكنه تحمّل خسارته؟
بالنسبة لإيران، الإجابة واضحة: الشرف والكرامة.
ما يضفي أهمية إضافية على هذا الطرح أنه لا يقتصر على الحالة الإيرانية، بل يعكس نمطاً أوسع يمتد عبر العديد من مجتمعات المنطقة. وعليه، فإن قراءة هذا التحليل تفتح المجال لإعادة التفكير في كيفية تأثير هذه المنظومة الثقافية على أنماط التفاوض واتخاذ القرار وإدارة الصراعات على المستويات السياسية والمؤسسية وحتى الفردية.