منقذ داغر
أختتمت يوم أمس سلسلة مقالات عن ما أسميته بصعود الطالبانية-من طالبان-الجديدة. وما قصدته بهذا المصطلح هو امكانية تعامل امريكا (ومن ورائها المجتمع الدولي) مع قوة فرض الواقع على الارض،سواء كانت هذه القوى سنية او شيعية او كردية، اسلاموية او علمانوية، شعبوية او ميليشياوية !
لقد خصصت الحلقة الاخيرة من الدراسة،لتصور أمكانية التماهي بين افغانستان-طالبان وعراق الأستقطاب والتطرف،السياسي لا الاجتماعي. جاءت ردود الافعال على ما كتبته لتجعلني أشعر بالحاجة لمزيد من التوضيح عما قصدته في الحلقة الاخيرة التي تساءلت فيها عن إمكانية تكرار السيناريو الافغاني في العراق.
وعلى الرغم من إيماني التام بأن التنبؤ بالمستقبل هو علم اللاعلم في السياسة والاجتماع، الا اني لم استطع كبح جماح تصوري عن السيناريوهات المتوقعة للعراق في المستقبل القريب. فعلى الرغم من ان التخالف بين الحالتين العراقية والافغانية اكثر من التشابه الا ان ذلك لا يمنع من القول ان هناك متشابهات مهمة ايضاً،على رأسها فشل النظام الذي بناه الاحتلال الامريكي في البلدين،وانتشار الفساد والخراب في كل مناحي الدولة والمجتمع، وكره الشعب للطبقة السياسية التي جاءت مع المحتل! بمعنى انه(ومع فارق الدرجة) الا ان النظامين لم ينجحا الا في حفر وادي عميق من عدم الثقة بينهم وبين المجتمع من جهة،وبينهم وبين العالم من جهة ثانية، وبين فئات المجتمع ذاته من جهة ثالثة. وتشير استطلاعات الرأي في افغانستان والعراق على حد سواء على تآكل رهيب في رصيد الثقة المجتمعية ورصيد الثقة بمؤسسات الدولة ايضاً.
هذا الفشل في بناء الثقة خلق فجوات سلطوية وسياسية واضحة تم ملؤها بقوى اللادولة التي مثلت طالبان طليعتها في افغانستان، وتمثل الميليشيات والاحزاب الطائفية والشعبوية والقومچية شبيهتها في العراق. وعلى الرغم من المحاولات المتكررة للوصول الى ما أسميه بالصفقة الكبرى،او الاتفاق العظيم بين المتخاصمين والمتطاعنين على السلطة في العراق منذ ثمانية عشر سنة، الا ان الفشل كان هو السائد لاسباب منهجية وموضوعية لا مجال لذكرها الان. لا بل ان هذا الفشل قد تفاقم مع تشظي القوى الكبرى الماسكة بالسلطة في العراق! فبعد ان كانت هناك ثلاث قوى مذهبية-عرقية رئيسة تحكم المشهد لاكثر من عقد بعد الاحتلال،تشظت تلك القوى الى مزيد من المجموعات الطائفية-الطائفية ،والعرقية-العرقية،والمصلحية-المصلحية،والميليشياوية-الميليشياوية، حتى أضحى التنائي بديلاً عن التداني،والتطاعن بديلاً عن التعاون! وصارت احتمالات ابرام الصفقة الكبرى ابعد من اي وقت مضى. لقد تضخمت وتعملقت قوى اللادولة حتى باتت ترى في نفسها البديل الذي لا بد منه لسد الفراغ الذي تركته الدولة. وفي حديث سابق لي مع أحد المطلعين على البواطن قال لي ان تخميناته لمُلكية وموجودات احدى الفصائل هي نصف مليار دولار!! نعم نصف مليار دولار،مما يعني استعداداً لا نهائي لهذه القوة كي تدافع عن (مكتسباتها) بغض النظر عن رأي او توجيهات المراجع الداخلية او الخارجية،السياسية او الدينية لتلك الجهة. هذا المثال لم يعد قاصراً على كتلة سياسية،او دينية،او قومية واحدة،بل امتد ليشمل الجميع حتى بتنا على اعتاب نمط مشابه لدولة الطوائف (بمعنى الجماعات وليس المذهب الديني) التي كانت سبباً في سقوط الاندلس،او دولة أمراء الحرب التي كانت سبباً في اسقاط أفغانستان،وسيادة طالبان(الطرف الاقوى في الطوائف).
لقد بات العراق كالطائرة التي تهوي للارض ليس بسبب اصابتها بمقذوف خارجي بل بسبب عجز مقصورة القيادة عن ادراك ان المحرك قد انطفأ. وعلى الرغم من امكانية اعادة تشغيل المحرك او الاستعانة بالمحرك الاحتياط ،فان الجالسين في المقصورة مشغولين عن قراءة العدادات بالاستمتاع باطايب الامدادات. والمصيبة انهم سوف لن يسقطون لوحدهم بل سيسقط معهم الجميع سواء من ركاب الدرجة الاولى او السياحية!!
لقد استمد النظام الحالي شرعيته من الاعتراف الدولي الذي فرضته امريكا على العالم باكمله بمنطق القوة،وليس بشرعية الانتخابات او النضال ضد النظام السابق. لذلك فان هذه الشرعية ستنتهي في حال فرضت امريكا،كما فعلت مع طالبان، احدى القوى القوية على الارض لكي تكون بديلاً عن النظام الحالي. والسؤال الجوهري هو من هي قوة الامر الواقع هذه؟ الجواب،لا توجد في العراق قوة واحدة تستطيع فرض الواقع على كل العراق،بل هناك قوى مناطقية تستطيع فرض سطوتها في منطقة نفوذها(الكردية،السنية،الشيعية)،وهي كما اسلفت ليست قوة واحدة في كل منطقة بل مجموعة قوى متصارعة في كل منطقة. هذا يعني ان أمريكا ومن وراءها المجتمع الدولي،قد يعترفون بطالبانات(وليس طالبان واحد) سنية-سنية،شيعية-شيعية،كردية-كردية. هذا الاحتمال مازال بعيداً لكنه وارد وممكن،وحتى لو لم يعترف به العالم فانه سيفرض وجوده بعد ان تعم الفوضى بسبب عدم قدرة قوى السلطة على اعطاء بعض التنازلات لبعضها البعض لابرام الصفقة الكبرى.





